فصل: تفسير الآية رقم (3)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التحرير والتنوير المسمى بـ «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»***


تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وَمَآ أَكَلَ السبع إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب‏}‏‏.‏

استئناف بيانيّ ناشئ عن قوله‏:‏ ‏{‏أحلّت لكم بهيمة الأنعام إلاّ ما يتلى عليكم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 1‏]‏، فهو بيان لما ليس بحلال من الأنعام‏.‏

ومعنى تحريم هذه المذكورات تحريم أكلها، لأنَّه المقصود من مجموع هذه المذكورات هنا‏.‏ وهي أحوال من أحوال الأنعام تقتضي تحريم أكلها‏.‏ وأدمج فيها نوع من الحيوان ليس من أنواع الأنعام وهو الخنزير، لاستيعاب محرّمات الحيوان‏.‏ وهذا الاستيعاب دليل لإباحة ما سوى ذلك، إلاّ ما ورد في السنّة من تحريم الحُمُر الأهلية، على اختلاف بين العلماء في معنى تحريمها، والظاهر أنَّه تحريم منظور فيه إلى حالة لا إلى الصنف‏.‏ وألحَق مالك بها الخيلَ والبغال قياساً، وهو من قياس الأدْون، ولقول الله تعالى إذ ذكرها في معرض الامتنان ‏{‏الخيلَ والبغالَ والحمير لتركبوها وزينة‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 8‏]‏‏.‏ وهو قول أبي حنيفة خلافاً لصاحبيه، وهو استدلال لا يعرف له نظير في الأدلّة الفقهية‏.‏ وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد‏:‏ يَجوز أكل الخيل‏.‏ وثبت في الصحيح، عن أسماء بنت أبي بكر قالت‏:‏ ذبحنا فرساً على عهد رسول الله فأكلناه‏.‏ ولم يُذكر أنّ ذلك منسوخ‏.‏ وعن جابر بن عبد الله أنّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحُمُر ورخَّص في لحوم الخيل‏.‏

وأمّا الحُمُر الأهلية فقد ورد في الصحيح أنّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكلها في غزوة خيبر‏.‏ فقيل‏:‏ لأنّ الحُمر كانت حَمولتهم في تلك الغَزاة‏.‏ وقيل‏:‏ نهى عنها أبداً‏.‏ وقال ابن عباس بإباحتها‏.‏ فليس لتحريم هذه الثلاثة على الإطلاق وجه بيّن من الفقه ولا من السنّة‏.‏

والميْتة الحيوان الذي زالت منه الحياة، والموتُ حالة معروفة تنشأ عن وقوف حركة الدم باختلال عمل أحد الأعضاء الرئيسية أو كلّها‏.‏ وعلَّة تحريمها أنّ الموت ينشأ عن علل يكون معظمها مضرّاً بسبب العدوى، وتمييز ما يُعدي عن غيره عسير، ولأنّ الحيوان الميّت لا يُدرى غالباً مقدار ما مضى عليه في حالة الموت، فربَّما مضت مدّة تستحيل معها منافع لحمه ودمه مضارّ، فنيط الحكم بغالب الأحوال وأضبطها‏.‏

والدم هنا هو الدم المُهراق، أي المسفوح، وهو الذي يمكن سيلانه كما صرّح به في آية الأنعام ‏(‏145‏)‏، حَملاً لمطلققِ هذه الآية على مقيّد آية الأنعام، وهو الذي يخرج من عروق جسد الحيوان بسبب قطع العِرق وما عليه من الجِلد، وهو سائل لزج أحمر اللون متفاوت الحمرة باختلاف السنّ واختلاف أصناف العروق‏.‏

والظاهر أنّ علّة تحريمه القذارة‏:‏ لأنّه يكتسب رائحة كريهة عند لقائه الهواءَ، ولذلك قال كثير من الفقهاء بنجاسة عينه، ولا تعرّض في الآية لذلك، أو لأنَّه يحمل ما في جسد الحيوان من الأجزاء المضرّة التي لا يحاط بمعرفتها، أو لما يحدثه تعوّد شرب الدم من الضراوة التي تعود على الخُلق الإنساني بالفساد‏.‏

وقد كانت العرب تأكل الدم، فكانوا في المجاعات يفصدون من إبلهم ويخلطون الدم بالوَبَر ويأكلونه، ويسمّونه العِلْهِز بكسر العين والهاء‏.‏ وكانوا يملأون المَصير بالدم ويشوونها ويأكلونها، وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنَّما حرّم عليكم الميتة والدم‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏173‏)‏‏.‏

وإنَّما قال‏:‏ ولحمَ الخنزير‏}‏ ولم يقل والخنزير كما قال‏:‏ ‏{‏وما أهلّ لغير الله به‏}‏ إلى آخر المعطوفات‏.‏ ولم يذكر تحريم الخنزير في جميع آيات القرآن إلاّ بإضافة لفظ لحم إلى الخنزير‏.‏ ولم يأت المفسّرون في توجيه ذلك بوجه ينثلج له الصدر‏.‏ وقد بيّنا ذلك في نظير هذه الجملة من سورة البقرة ‏(‏173‏)‏‏.‏ ويبدو لي أنّ إضافة لفظ لحم إلى الخنزير للإيماء إلى أنّ المحرّم أكل لحمه لأنّ اللحم إذا ذكر له حكم فإنَّما يراد به أكله‏.‏ وهذا إيماء إلى أنّ ما عدا أكل لحمه من أحوال استعمال أجزائه هو فيها كسائر الحيوان في طهارة شعره، إذا انتزع منه في حياته بالجزّ، وطهارة عرقه وطهارة جلده بالدبغ، إذا اعتبرنا الدبغ مطهّراً جلد الميتة، اعتباراً بأنّ الدبغ كالذكاة‏.‏ وقد روي القول بطهارة جلد الخنزير بالدبغ عن داود الظاهري وأبي يوسف أخذاً بعموم قوله صلى الله عليه وسلم «أيما إهاب دبغ فقد طهر» رواه مسلم والترمذي عن ابن عباس‏.‏ وعلّة تحريم الخنزير أنّ لحمه يشتمل على جراثيم مضرّة لا تقتلها حرارة النار عند الطبخ، فإذا وصلت إلى دم آكله عاشت في الدم فأحدثت أضراراً عظيمة، منها مرض الديدان التي في المعدة‏.‏

‏{‏وما أهلّ لغير الله به‏}‏ هو ما سُمّي عليه عند الذبح اسمُ غير الله‏.‏ والإهلالُ‏:‏ الجهر بالصوتتِ ومنه الإهلال بالحجّ، وهو التلبية الدالّة على الدخول في الحجّ، ومنه استهلّ الصبي صارخاً‏.‏ قيل‏:‏ ذلك مشتقّ من اسم الهلال، لأنّ العرب كانوا إذا رأوا هلال أوّل ليلة من الشهر رفعوا أصواتهم بذلك ليَعلم الناس ابتداءَ الشهر، ويحتمل عندي أن يكون اسم الهلال قد اشتقّ من جَهر الناس بالصوت عند رؤيته‏.‏ وكانوا إذا ذبحوا القرابين للأصنام نادَوا عليها باسم الصنم، فقالوا‏:‏ باسم اللاّت، باسم العُزّى‏.‏

‏{‏والمنخنقة‏}‏ هي التي عرض لها ما يخنقها‏.‏ والخَنْق‏:‏ سَدّ مجاري النفَس بالضغط على الحلق، أو بسدّه، وقد كانوا يربطون الدابّة عند خشبة فربما تخبّطت فانخنقت ولم يشعروا بها، ولم يكونوا يخنقونها عند إرادة قتلها‏.‏ ولذلك قيل هنا‏:‏ المنخنقة، ولم يقل المخنوقة بخلاف قوله ‏{‏والموقوذة‏}‏، فهذا مراد ابن عباس بقوله‏:‏ كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة وغيرها فإذا ماتت أكلوها‏.‏

وحكمة تحريم المنخنقة أنّ الموت بانحباس النفس يفسد الدم باحتباس الحوامض الفحمية الكائنة فيه فتصير أجزاء اللحم المشتمل على الدم مضرّة لآكله‏.‏

‏{‏والموقوذة‏}‏‏:‏ المضروبة بحجر أو عصا ضرباً تموت به دون إهراق الدم، وهو اسم مفعول من وقَذ إذا ضرب ضرباً مثخِناً‏.‏ وتأنيث هذا الوصف لتأويله بأنَّه وصف بهيمة‏.‏ وحكمة تحريمها تُماثل حكمة تحريم المنخنقة‏.‏

‏{‏والمتردّية‏}‏‏:‏ هي التي سقطت من جَبَل أو سقطت في بئر تردّياً تموت به، والحكمة واحدة‏.‏

‏{‏والنطيحة‏}‏ فعيلة بمعنى مَفعولة‏.‏ والنطح ضربُ الحيوان ذي القرنين بقَرنيه حيواناً آخر‏.‏ والمراد التي نطحتها بهيمة أخرى فماتت‏.‏ وتأنيث النطيحة مثل تأنيث المنخنقة، وظهرت علامة التأنيث في هذه الأوصاف وهي من باب فَعيل بمعنى مفعول لأنَّها لم تجر على موصوف مذكور فصارت بمنزلة الأسماء‏.‏

‏{‏وما أكل السبع‏}‏‏:‏ أي بهيمة أكَلَها السبع، والسبع كلّ حيوان يفترس الحيوان كالأسد والنمر والضبع والذئب والثعلب، فحرّم على الناس كلّ ما قتله السبع، لأنّ أكيلة السبع تموت بغير سفح الدم غالباً بل بالضرب على المقاتل‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إلاّ ما ذكّيتم‏}‏ استثناء من جميع المذكور قبله من قوله‏:‏ ‏{‏حرّمت عليكم الميتة‏}‏؛ لأنّ الاستثناء الواقع بعد أشياء يصلح لأن يكون هو بعضها، يرجع إلى جميعها عند الجمهور، ولا يرجع إلى الأخيرة إلاّ عند أبي حنيفة والإمام الرازي، والمذكورات قبلُ بعضها محرّمات لذاتها وبعضها محرّمات لصفاتها‏.‏ وحيث كان المستثنى حالاً لا ذاتاً، لأنّ الذكاة حالة، تعيَّن رجوع الاستثناء لِما عدا لحمَ الخنزير، إذ لا معنى لتحريم لحمه إذا لم يُذكّ وتحليلِه إذا ذكِّي، لأنّ هذا حكم جميع الحيوان عند قصد أكله‏.‏ ثم إنّ الذكاة حالة تقصد لقتل الحيوان فلا تتعلّق بالحيوان الميّت، فعُلِم عدم رجوع الاستثناء إلى الميْتة لأنَّه عبث، وكذلك إنَّما تتعلّق الذكاة بما فيه حياة فلا معنى لتعلّقها بالدم، وكذا ما أهِلّ لغير الله به، لأنهم يهلّون به عند الذكاة، فلا معنى لتعلّق الذكاة بتحليله، فتعيّن أنّ المقصود بالاستثناء‏:‏ المنخنقة، والموقوذة، والتمردّية، والنطيحة، وما أكل السبع، فإنّ هذه المذكورات تعلّقت بها أحوال تفضي بها إلى الهلاك، فإذا هلكت بتلك الأحوال لم يُبح أكلها لأنّها حينئذٍ ميْتة، وإذا تداركوها بالذكاة قبل الفوات أبيح أكلها‏.‏ والمقصود أنّها إذا ألحقت الذكاة بها في حالة هي فيها حيّة‏.‏ وهذا البيان ينبّه إلى وجه الحصر في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل لا أجدُ فيما أوحي إليّ محرّماً على طاعم يطعمه إلاّ أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنَّه رجْس أو فسقاً أهلّ لغير الله به‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 145‏]‏‏.‏ فذكر أربعة لا تعمل الذكاة فيها شيئاً ولم يذكرالمنخنقة والموقوذة وما عطف عليها هنا، لأنّها تحرُم في حال اتّصال الموت بالسبب لا مطلقاً‏.‏ فعَضّوا على هذا بالنواجذ‏.‏

وللفقهاء في ضبط الحالة التي تعمل فيها الذكاة في هاته الخمس عبارات مختلفة‏:‏ فالجمهور ذهبوا إلى تحديدها بأن يبقى في الحيوان رمق وعلامةُ حياة، قبل الذبح أو النحر، من تحريك عضو أو عين أو فم تحريكاً يدلّ على الحياة عرفاً، وليس هو تحريك انطلاق الموت‏.‏

وهذا قول مالك في «الموطّأ»، ورواية جمهور أصحابه عنه‏.‏ وعن مالك‏:‏ أنّ المذكورات إذا بلغت مبلغاً أنْفِذَتْ معه مقاتلها، بحيث لا ترجى حياتها لو تركت بلا ذكاة، لا تصحّ ذكاتها، فإن لم تنفذ مقاتلها عملت فيها الذكاة‏.‏ وهذه رواية ابن القاسم عن مالك، وهو أحد قولي الشافعي‏.‏ ومن الفقهاء من قالوا‏:‏ إنَّما ينظر عند الذبح أحيَّة هي أم ميّتة، ولا ينظر إلى حالة هل يعيش مثلها لو تركت دون ذبح‏.‏ وهو قول ابن وهب من أصحاب مالك، واختاره ابن حبيب، وأحد قولين للشافعي‏.‏ ونفس الاستثناء الواقع في الآية يدلّ على أنّ الله رخّص في حالة هي محلّ توقّف في إعمال الذكاة، أمَّا إذا لم تُنْفَذ المقاتل فلا يخفى على أحد أنّه يباح الأكل، إذ هو حينئذٍ حيوان مرضوض أو مجروح، فلا يحتاج إلى الإعلام بإباحة أكله بذكاة، إلاّ أنّ يقال‏:‏ إنّ الاستثناء هنا منقطع بمعنى لكن، أي لكن كلوا ما ذكّيتم دون المذكورات، وهو بعيد‏.‏ ومن العلماء من جعل الاستثناء من قوله‏:‏ ‏{‏وما أكل السبع‏}‏ على رأي من يجعل الاستثناء للأخيرة، ولا وجه له إلاّ أن يكون ناظراً إلى غلبة هذا الصنف بين العرب، فقد كانت السباع والذئاب تنتابهم كثيراً، ويكثر أن يلحقوها فتترك أكيلتها فيدْركوها بالذكاة‏.‏

‏{‏وما ذُبح على النُصب‏}‏ هو ما كانوا يذبحونه من القرابين والنُشُرات فوق الأنصاب‏.‏ والنُصُب بضمّتين الحجر المنصوب، فهو مفرد مراد به الجنس، وقيل‏:‏ هو جمع وواحده نِصاب، ويقال‏:‏ نَصْب بفتح فسكون ‏{‏كأنّهم إلى نَصْب يوفضون‏}‏ ‏[‏المعارج‏:‏ 43‏]‏‏.‏ وهو قد يطلق بما يرادف الصنم، وقد يخصّ الصنم بما كانت له صورة، والنصُب بما كان صخرة غير مصوّرة، مثل ذي الخَلصة ومثل سَعْد‏.‏ والأصحّ أنّ النصب هو حجارة غير مقصود منها أنَّها تمثال للآلهة، بل هي موضوعة لأنّ تذبح عليها القرابين والنسائك التي يتقرّب بها للآلهة وللجنّ، فإنّ الأصنام كانت معدودة ولها أسماء وكانت في مواضع معيّنة تقصد للتقرّب‏.‏ وأمّا الأنصاب فلم تكن معدودة ولا كانت لها أسماء وإنَّما كانوا يتّخذها كلّ حَيّ يتقرّبون عندها، فقد روى أيمَّة أخبار العرب‏:‏ أنّ العرب كانوا يعظّمون الكعبة، وهم ولد إسماعيل، فلمّا تفرّق بعضهم وخرجوا من مكة عظم عليهم فراق الكعبة فقالوا‏:‏ الكعبةُ حجر، فنحن ننصب في أحيائنا حجارة تكون لنا بمنزلة الكعبة، فنصبوا هذه الأنصاب، وربما طافوا حولها، ولذلك يسمّونها الدّوار بضمّ الدال المشدّدة وبتشديد الواو ويذبحون عليها الدماء المتقرّب بها في دينهم‏.‏ وكانوا يطلبون لذلك أحسن الحجارة‏.‏

وعن أبي رجاء العطاردي في «صحيح البخاري»‏:‏ كنّا نعبد الحجر فإذا وجدنا حجراً خيراً منه ألقينا الأوّل وأخذنا الآخر فإذا لم نجد حجراً ‏(‏أي في بلاد الرمل‏)‏ جمعنا جُثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبناها عليه ليصير نظير الحجر ثمّ طفنا به‏.‏

فالنصب‏:‏ حجارة أعدّت للذبح وللطواف على اختلاف عقائد القبائل‏:‏ مِثل حجر الغَبْغَببِ الذي كان حول العُزّى‏.‏ وكانوا يذبحون على الأنصاب ويشرّحون اللحم ويشوونه، فيأكلون بعضه ويتركون بعضاً للسدنة، قال الأعشى، يذكر وصايا النبي صلى الله عليه وسلم في قصيدته التي صنعها في مدحه‏:‏

وذا النُصُبَ المَنْصُوب لا تَنْسُكَنَّه *** وقال زيد بن عَمْرو بن نفيل للنبيء صلى الله عليه وسلم قبلَ البعثة، وقد عرض عليه الرسولُ سُفرة ليَأكل معه في عكاظ‏:‏ ‏{‏إنّي لا آكل ممّا تذبَحُون على أنصابكم‏}‏‏.‏ وفي حديث فتح مكَّة‏:‏ كان حول البيت ثلاثمائة ونيّف وستّون نصباً، وكانوا إذا ذبحوا عليها رشّوها بالدم ورشّوا الكعبة بدمائهم‏.‏ وقد كان في الشرائع القديمة تخصيص صخور لذبح القرابين عليها، تمييزاً بين ما ذُبِح تديّناً وبين ما ذبح للأكل، فمن ذلك صخرة بيت المقدس، قيل‏:‏ إنَّها من عهد إبراهيم وتحتها جبّ يعبّر عنها ببئر الأرواح، لأنَّها تسقط فيها الدماء، والدمُ يسمّى رُوحاً‏.‏ ومن ذلك فيما قيل‏:‏ الحجر الأسود كان على الأرض ثم بناه إبراهيم في جدر الكعبة‏.‏ ومنها حجر المقام، في قول بعضهم‏.‏ فلما اختلطت العقائد في الجاهلية جعلوا هذه المذابح لذبح القرابين المتقرّب بها للآلهة وللجنّ‏.‏ وفي «البخاري» عن ابن عباس‏:‏ النصُب‏:‏ أنصاب يذبحون عليها‏.‏ قلت‏:‏ ولهذا قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وما ذبح على النصب‏}‏ بحرف ‏(‏على‏)‏، ولم يقل وما ذبح للنُصب لأنّ الذبيحة تقصد للأصنام والجنّ، وتذبح على الأنصاب، فصارت الأنصاب من شعائر الشرك‏.‏

ووجه عطف ‏{‏وما ذُبح على النصب‏}‏ على المحرّمات المذكورة هنا، مع أنّ هذه السورة نزلت بعد أن مضت سنين كثيرة على الإسلام وقد هجر المسلمون عبادة الأصنام، أنّ في المسلمين كثيرين كانوا قريبي عهد بالدخول في الإسلام، وهم وإن كانوا يعلمون بطلان عبادة الأصنام، أوّل ما يعلمونه من عقيدة الإسلام، فقد كانوا مع ذلك مدّةَ الجاهلية لا يختصّ الذبحُ على النصُب عندهم بذبائح الأصنام خاصّة، بل يكون في ذبائح الجنّ ونحوها من النُشُرات وذبائح دفع الأمراض ودفع التابعة عن ولدانهم، فقالوا‏:‏ كانوا يستدفعون بذلك عن أنفسهم البرص والجذام ومسّ الجن، وبخاصّة الصبيان، ألا ترى إلى ما ورد في كتب السيرة‏:‏ أنّ الطفيل بن عَمرو الدوْسي لمّا أسلم قبل الهجرة ورجع إلى قومه ودعَا امرأته إلى الإسلام قالت له‏:‏ أتخشى على الصبية من ذي الشَّرَى ‏(‏صَنَممِ دوس‏)‏‏.‏ فقال‏:‏ لا، أنا ضامن، فأسلمتْ، ونحو ذلك، فقد يكون منهم من استمرّ على ذبح بعض الذبائح على الأنصاب التي في قبائلهم على نيّة التداوي والانتشار، فأراد الله تنبيههم وتأكيد تحريم ذلك وإشاعته‏.‏

ولذلك ذِكر في صدر هذه السورة وفي آخرها عند قوله‏:‏ ‏{‏يأيها الذين آمنوا إنّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجس من عمل الشيطان‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 90‏]‏ الآيات‏.‏

‏{‏وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالازلام ذلكم فِسْقٌ‏}‏‏.‏

الشأن في العطف التناسب بين المتعاطفات، فلا جرم أنّ هذا المعطوف من نوع المتعاطفات التي قبله، وهي المحرّم أكلها‏.‏ فالمراد هنا النهي عن أكل اللحم الذي يستقسمون عليه بالأزلام، وهو لحم جزور الميسر لأنّه حاصل بالمقامرة، فتكون السين والتاء في ‏{‏تستقسموا‏}‏ مزيدتين كما هما في قولهم‏:‏ استجاب واستراب‏.‏ والمعنى‏:‏ وأن تقسموا اللحم بالأزلام‏.‏

ومن الاستقسام بالأزلام ضرب آخر كانوا يفعلونه في الجاهلية يتطلّبون به معرفة عاقبة فعل يريدون فعله‏:‏ هل هي النجاح والنفع أو هي خيبة وضرّ‏؟‏‏.‏ وإذ قد كان لفظ الاستقسام يشمله فالوجه أن يكون مراداً من النهي أيضاً، على قاعدة استعمال المشترك في معنييه، فتكون إرادته إدماجاً وتكون السين والتاء للطلب، أي طلب القِسم‏.‏ وطلب القِسم بالكسر أي الحظّ من خير أو ضدّه، أي طلب معرفته‏.‏ كان العرب، كغيرهم من المعاصرين، مولَعين بمعرفة الاطِّلاع على ما سيقع من أحوالهم أو على ما خفي من الأمور المكتومة، وكانوا يتوهّمون بأنّ الأصنام والجنّ يعلمون تلك المغيّبات فسوّلت سدنة الأصنام لهم طريقة يُموّهون عليهم بها فجعلوا أزلاماً‏.‏ والأزلام جمع زَلَم بفتحتين ويقال له‏:‏ قدح بكسر القاف وسكون الدال وهو عود سهم لا حديدة فيه‏.‏

وكيفية استقسام الميسر‏:‏ المقامرة على أجزاء جزور ينحرونه ويتقامرون على أجزائه، وتلك عشرة سهام تقدّم الكلام عليها عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يسألونك عن الخمر والميسر‏}‏ الآية في سورة البقرة ‏(‏219‏)‏‏.‏ وكان مقتضى الظاهر أن يقال‏:‏ وما استقسمتم عليه بالأزلام، فغيّر الأسلوب وعُدل إلى وأن تستقسموا بالأزلام‏}‏، ليكون أشمل للنهي عن طريقتي الاستقسام كلتيهما، وذلك إدماج بديع‏.‏

وأشهر صور الاستقسام ثلاثة قداح‏:‏ أحدها مكتوب عليه «أمرني ربّي»، وربما كتبوا عليه «افْعَلْ» ويسمّونه الآمر‏.‏ والآخرُ‏:‏ مكتوب عليه «نَهاني ربّي»، أو «لا تَفْعَلْ» ويسمّونه الناهي‏.‏ والثالث‏:‏ غُفْل بضم الغين المعجمة وسكون الفاء أخت القاف أي متروك بدون كتابة‏.‏ فإذا أراد أحدهم سَفراً أو عملاً لا يدري أيكون نافعاً أم ضارّاً، ذهب إلى سادن صنمهم فأجال الأزلامَ، فإذا خرج الذي عليه كتابة، فعلوا ما رَسَم لهم، وإذا خرج الغُفْل أعادوا الإجالة‏.‏ ولمّا أراد امرؤُ القيس أن يقوم لأخذ ثار أبيه حُجْر، استقسم بالأزلام عند ذي الخَلَصة، صنم خَثْعَم، فخرج له الناهي فكسر القِداح وقال‏:‏

لو كنتَ ياذا الخَلَص الموتورا *** مِثْلي وكان شيخُك المقبورا

لم تَنْهَ عن قَتْللِ العُداة زُورا *** وقد ورد، في حديث فتح مكة‏:‏ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد صورة إبراهيم يستقسم بالأزلام فقال‏:‏ ‏"‏ كذَبوا والله إننِ استقسمَ بها قطّ ‏"‏

وهم قد اختلقوا تلك الصورة، أو توهّموها لذلك، تنويهاً بشأن الاستقسام بالأزلام، وتضليلاً للناس الذين يجهلون‏.‏ وكانت لهم أزلام أخرى عند كلّ كاهن من كهانهم، ومن حكّامهم، وكان مِنها عند ‏(‏هُبَل‏)‏ في الكعبة سبعة قد كتبوا على كلّ واحد شيئاً من أهمّ ما يَعْرِض لهم في شؤونهم، كتبوا على أحدها العقل في الديَة، إذا اختلفوا في تعيين من يحمل الدية منهم؛ وأزلام لإثبات النسب، مكتوب على واحد «منكم»، وعلى واحد «من غَيْركم»، وفي آخر «مُلْصَق»‏.‏ وكانت لهم أزلام لإعطاء الحقّ في المياه إذا تنازعوا فيها‏.‏ وبهذه استقسم عبد المطلب حين استشار الآلهة في فداء ابنه عبد الله من النَّذْر الذي نذره أن يَذبحه إلى الكعبة بعشرة من الإبل، فخرج الزلم على عبد الله فقالوا له‏:‏ أرض الآلهة فزاد عشرة حتّى بلغ مائة من الإبل فخرج الزّلم على الإبل فنحرها‏.‏ وكان الرجل قد يتّخذ أزلاماً لنفسه، كما ورد في حديث الهجرة «أنّ سُراقة ابنَ مالك لمّا لحق النبي صلى الله عليه وسلم ليأتي بخبره إلى أهل مكة استقسم بالأزلام فخرج له ما يكره»‏.‏

والإشارة في قوله‏:‏ ‏{‏ذلكم فسق‏}‏ راجعة إلى المصدر وهو ‏{‏أن تستقسموا‏}‏‏.‏ وجيء بالإشارة للتنبيه عليه حتّى يقع الحكم على متميّز معيّن‏.‏

والفسق‏:‏ الخروج عن الدين، وعن الخير، وقد تقدّم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما يضلّ به إلاّ الفاسقين‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏26‏)‏‏.‏

وجعل الله الاستقسام فسقاً لأنّ منه ما هو مقامرة، وفيه ما هو من شرائع الشرك، لتطلّب المسبّبات من غير أسبابها، إذ ليس الاستقسام سبباً عاديّاً مضبوطاً، ولا سبباً شرعيّاً، فتمحّض لأن يكون افتراء، مع أنّ ما فيه من توهّم الناس إيّاه كاشفاً عن مراد الله بهم، من الكذب على الله، لأنّ الله نصب لمعرفة المسبّبات أسباباً عقليّة‏:‏ هي العلوم والمعارف المنتزعة من العقل، أو من أدلّته، كالتجربة، وجعل أسباباً لا تعرف سببيتها إلاّ بتوقيف منه على لسان الرّسل‏:‏ كجعل الزوال سبباً للصّلاة‏.‏ وما عدا ذلك كذب وبهتان، فمن أجل ذلك كان فسقاً، ولذلك قال فقهاؤنا بجرحة من ينتحل ادّعاء معرفة الغيوب‏.‏

وليس من ذلك تعرّف المسبّبات من أسبابها كتعرّف نزول المطر من السحاب، وترقّب خروج الفرخ من البيضة بانقضاء مدّة الحضانة، وفي الحديث إذا نشأت بَحْرِيَّة ثم تشاءَمَتْ فتلكَ عين غُدَيْقَة أي سحابة من جهة بحرهم، ومعنى عين أنها كثيرة المطر‏.‏ وأمَّا أزلام الميسر، فهي فسْق، لأنَّها من أكل المال بالباطل‏.‏

اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشون‏}‏‏.‏

جملة وقعت معترضة بين آية المحرّمات المتقدّمة، وبين آية الرخصة الآتِيَة‏:‏ وهي قوله‏:‏ ‏{‏فمن اضطرّ في مخمصة‏}‏ لأنّ اقتران الآية بفاء الفريع يقضي باتّصالها بما تقدّمها‏.‏ ولا يصلح للاتّصال بها إلاّ قوله‏:‏ ‏{‏حرّمت عليكم الميتة‏}‏ الآية‏.‏

والمناسبة في هذا الاعتراض‏:‏ هي أنّ الله لمّا حرّم أموراً كان فعلها من جملة دين الشرك، وهي ما أهِلّ لغير الله به، وما ذبح على النصب، وتحريم الاستقسام بالأزلام، وكان في كثير منها تضييق عليهم بمفارقة معتادهم، والتقليل من أقواتهم، أعقب هذه الشدّة بإيناسهم بتذكير أنّ هذا كلّه إكمال لدينهم، وإخراج لهم من أحوال ضلال الجاهلية، وأنَّهم كما أُيِّدوا بدين عظيم سَمْح فيه صلاحهم، فعليهم أن يقبلوا ما فيه من الشدّة الراجعة إلى إصلاحهم‏:‏ فالبعض مصلحته راجعة إلى المنافع البدنية، والبعض مصلحتهُ راجعة إلى الترفّع عن حَضِيض الكفر‏:‏ وهو ما أهلّ به لِغير الله، وما ذُبح على النُصُب‏.‏ والاستقسامُ بالأزلام أذكرهم بفوزهم على من يناويهم، وبمحاسن دينهم وإكماله، فإنّ من إكمال الإصلاح إجرَاء الشدّة عند الاقتضاء‏.‏ وذُكّروا بالنعمة، على عادة القرآن في تعقيب الشدّة باللين‏.‏ وكان المشركون، زماناً، إذا سمعوا أحكام الإسلام رجَوا أن تثقل على المسلمين فيرتدّوا عن الدّين، ويرجعوا إلى الشرك، كما قال المنافقون ‏{‏لا تُنفقوا على مَن عند رسول الله حتّى يَنْفَضّوا‏}‏ ‏[‏المنافقون‏:‏ 7‏]‏‏.‏ فلمّا نزلت هذه الأحكام أنزل الله هذه الآية‏:‏ بشارة للمؤمنين، ونكاية بالمشركين‏.‏ وقد روي‏:‏ أنَّها نزلت يوم فتح مكة، كما رواه الطبري عن مجاهد، والقرطبي عن الضحّاك‏.‏ وقيل‏:‏ نزلت يوم عرفة في حجّة الوداع مع الآية التي ستأتي عقبها‏.‏ وهْو ما رواه الطبري عن ابن زيد وجمع، ونسبه ابن عطِيّة إلى عمر بن الخطاب وهو الأصحّ‏.‏

ف ‏{‏اليوم‏}‏ يجوز أن يُراد به اليوم الحاضر، وهو يوم نزول الآية، وهو إن أريد به يوم فتح مكة، فلا جرم أنّ ذلك اليوم كان أبهج أيّام الإسلام، وظهر فيه من قوّة الدين، بين ظهراني من بقي على الشرك، ما أيْأسَهم من تقهقر أمر الإسلام، ولا شكّ أنّ قلوب جميع العرب كانت متعلّقة بمكة وموسم الحجّ ومناسكه‏:‏ التي كانت فيها حياتهم الاجتماعية والتجارية والدينية والأدبية، وقوام شؤونهم، وتعارفهم، وفصل نزاعهم، فلا جرم أن يكون انفراد المسلمين بتلك المواطن قاطعاً لبقية آمالهم‏:‏ من بقاء دين الشرك، ومن محاولة الفتّ في عضد الإسلام‏.‏ فذلك اليوم على الحقيقة‏:‏ يوم تمام اليأس وانقطاع الرجاء، وقد كانوا قبل ذلك يعاودهم الرجاء تارة‏.‏ فقد قال أبو سفيان يوم أحد «أعْلُ هُبَل وقال لنا العُزّى ولا عُزّى لكم»‏.‏ وقال صفوان بن أمية أو أخوه، يوم هوازن، حين انكشف المسلمون وظنّها هزيمة للمسلمين‏:‏ «ألا بطل السحر اليوم»‏.‏

وكان نزول هذه الآية يوم حجّة الوداع مع الآية التي بعدها، كما يؤيّده قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته يومئذٍ في قول كثير من أصحاب السير ‏"‏ أيها الناس إنّ الشيطان قد يَئِس أن يُعبد في بلدكم هذا ولكنه قد رضي منكم بما دون ذلك فيما تَحْقرون من أعمالكم فاحذروه على أنفسكم ‏"‏

و ‏{‏اليوم‏}‏ يجوز أن يراد به يوم معين، جدير بالامتنان بزمانه، ويجوز أن يجعل ‏(‏اليومَ‏)‏ بمعنى الآن، أي زمان الحال، الصادق بطائفة من الزمان، رَسخ اليأس، في خلالها، في قلوب أهل الشرك بعد أن خامر نفوسهم التردّد في ذلك، فإنّ العرب يطلقون ‏(‏اليوم‏)‏ على زمن الحال، ‏(‏والأمس‏)‏ على الماضي، و‏(‏الغَد‏)‏ على المستقبل‏.‏ قال زهير‏:‏

وأعْلَمُ عِلم اليوممِ والأمسسِ قبلَه *** ولكِنَّنِي عن عِلممِ مَا في غد عَمِي

يريد باليوم زمان الحال، وبالأمس ما مضى، وَبالغد ما يستقبل، ومنه قول زياد الأعجم‏:‏

رأيتُك أمسسِ خيرَ بني مَعَدّ *** وأنتَ اليوم خيرُ منكَ أمسِ

وأنت غَدا تزيد الخير خيراً *** كذاكَ تزيد سادةُ عبدِ شمس

وفعل ‏{‏يئس‏}‏ يتعدّى ب ‏(‏مِن‏)‏ إلى الشيء الذي كان مرجوّاً من قبلُ، وذلك هو القرينة على أنّ دخول ‏(‏من‏)‏ التي هي لتعدية ‏{‏يئس‏}‏ على قوله ‏{‏دينِكم‏}‏، إنّما هو بتقدير مضاف، أي يئسوا من أمر دينكم، يعني الإسلام، ومعلوم أنّ الأمر الذي كانوا يطمعون في حصوله‏:‏ هو فتور انتشار الدين وارتداد متّبعيه عنه‏.‏

وتفريع النهي عن خشية المشركين في قوله‏:‏ ‏{‏فلا تَخشَوْهم‏}‏ على الإخبار عن يأسهم من أذى الدين‏:‏ لأنّ يأس العدوّ من نوال عدوّه يزيل بأسه، ويذهب حماسه، ويقعده عن طلب عدوّه‏.‏ وفي الحديث‏:‏ «ونُصِرْتُ بالرّعْب»‏.‏ فلمَّا أخبر عن يأسهم طمّن المسلمين من بأس عدوّهم، فقال‏:‏ ‏{‏فلا تخشوهم واخشون‏}‏ أو لأنّ اليأس لمَّا كان حاصلاً من آثار انتصارات المسلمين، يوماً فيوماً، وذلك من تأييد الله لهم، ذكَّر الله المسلمين بذلك بقوله‏:‏ ‏{‏اليومَ يئس الذين كفروا من دينكم‏}‏، وإنّ فريقاً لم يغن عنهم بأسهم من الله شيئاً لأحرياء بأن لا يُخشى بأسهم، وأن يُخشى مَن خَذَلهم ومكّن أولياءه منهم‏.‏

وقد أفاد قوله‏:‏ ‏{‏فلا تخشوهم واخشون‏}‏ مفاد صيغة الحصر، ولو قيل‏:‏ فإيّاي فاخشون لجرى على الأكثر في مقام الحصر، ولكن عُدل إلى جملتي نفي وإثبات‏:‏ لأنّ مفاد كلتا الجملتين مقصود، فلا يحسن طيّ إحداهما‏.‏ وهذا من الدواعي الصارفة عن صيغة الحصر إلى الإتيان بصيغتي إثبات ونفي، كقول السموأل أو عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثيّ‏:‏

تَسيل على حدّ الظّبَاتتِ نفوسنا *** ولَيْسَتْ على غير الظُبات تسيل

ونظيره قوله الآتي ‏{‏فلا تَخْشُوْا الناسَ واخشَون‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 44‏]‏‏.‏

‏{‏اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسلام دِيناً‏}‏‏.‏

إن كانت آية ‏{‏اليوم أكملت لكم دينكم‏}‏ نزَلت يوم حجّة الوداع بعد آية ‏{‏اليوم يئس الذين كفروا من دينكم‏}‏ بنحو العامين، كما قال الضحّاك، كانت جملة مستقلّة، ابتدائية، وكان وقوعها في القرآن، عقب التي قبلها، بتوقيف النبي صلى الله عليه وسلم بجمعها مع نظيرها في إكمال أمر الدّين، اعتقاداً وتشريعاً، وكان اليوم المعهود في هذه غير اليوم المعهود في التي قبلها وإن كانتا نزلتا معاً يومَ الحجّ الأكبر، عام حجّة الوداع، وهو ما رواه الطبري عن ابن زيد وآخرين‏.‏

وفي كلام ابن عطيّة أنَّه منسوب إلى عمر بن الخطّاب، وذلك هو الراجح الذي عَوّل عليه أهل العلم وهو الأصل في موافقة التلاوة للنزول، كان اليومُ المذكور في هذه وفي التي قبلها يوماً واحداً، وكانت هذه الجملة تعداداً لمنّة أخرى، وكان فصلُها عن التي قبلها جارياً على سنن الجمل التي تساق للتعداد في منَّة أو توبيخ، ولأجل ذلك‏:‏ أعيد لفظ ‏{‏اليوم‏}‏ ليتعلّق بقوله ‏{‏أكملت‏}‏، ولم يستغن بالظرف الذي تعلّق بقوله‏:‏ ‏{‏يَئِسَ‏}‏ فلم يقل‏:‏ وأكملت لكم دينكم‏.‏

والدّين‏:‏ ما كلف الله به الأمّة من مجموع العقائد، والأعمال، والشرائع، والنظم‏.‏ وقد تقدّم بيان ذلك عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنّ الدين عند الله الإسلام‏}‏ في سورة آل عمران ‏(‏19‏)‏‏.‏ فإكمال الدين هو إكمال البيان المراد لله تعالى الذي اقتضت الحكمة تنجيمه، فكان بعد نزول أحكام الاعتقاد، التي لا يسع المسلمين جهلها، وبعد تفاصيل أحكام قواعد الإسلام التي آخرها الحجّ بالقول والفعل، وبعد بيان شرائع المعاملات وأصول النظام الإسلامي، كان بعد ذلك كلّه قد تمّ البيان المراد لله تعالى في قوله‏:‏ ‏{‏ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكلّ شيء‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 89‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏لتبيّن للناس ما نزّل إليهم‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 44‏]‏ بحيث صار مجموع التشريع الحاصل بالقرآن والسنّة، كافياً في هدي الأمّة في عبادتها، ومعاملتها، وسياستها، في سائر عصورها، بحسب ما تدعو إليه حاجاتها، فقد كان الدين وافياً في كلّ وقت بما يحتاجه المسلمون‏.‏ ولكن ابتدأتْ أحوال جماعة المسلمين بسيطة ثمّ اتّسعت جامعتهم، فكان الدين يكفيهم لبيان الحاجات في أحوالهم بمقدار اتّساعها، إذ كان تعليم الدين بطريق التدريج ليتمكّن رسوخُه، حتّى استكملت جامعة المسلمين كلّ شؤون الجوامع الكبرى، وصاروا أمّة كأكمل ما تكون أمّة، فكمل من بيان الدين ما به الوفاء بحاجاتهم كلّها، فذلك معنى إكمال الدين لهم يومئذٍ‏.‏ وليس في ذلك ما يشعر بأنّ الدين كان ناقصاً، ولكن أحوال الأمّة في الأمَمِيَّة غير مستوفاة، فلمّا توفّرتْ كمل الدين لهم فلا إشكال على الآية‏.‏ وما نزل من القرآن بعد هذه الآية لعلّه ليس فيه تشريع شيء جديد، ولكنَّه تأكيد لما تقرّر تشريعه من قبل بالقرآن أو السنّة‏.‏

فما نجده في هذه السورة من الآيات، بعد هذه الآية، ممّا فيه تشريع أنف مثل جزاء صيد المحرم، نجزم بأنَّها نزلت قبل هذه الآية وأنّ هذه الآية لمّا نزلت أمر بوضعها في هذا الموضع‏.‏ وعن ابن عباس‏:‏ لم ينزل على النبي بعد ذلك اليوم تحليل ولا تحريم ولا فرض‏.‏ فلو أنّ المسلمين أضاعوا كلّ أثارة من علم والعياذ بالله ولم يبق بينهم إلاّ القرآن لاستطاعوا الوصول به إلى ما يحتاجونه في أمور دينهم‏.‏ قال الشاطبي‏:‏ «القرآن، مع اختصاره، جامع ولا يكون جامعاً إلاّ والمجموع فيه أمور كلّية، لأنّ الشريعة تمّت بتمام نزوله لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏اليوم أكملت لكم دينكم‏}‏، وأنت تعلم‏:‏ أنّ الصلاة، والزكاة، والجهاد، وأشباه ذلك، لم تبيّن جميع أحكامها في القرآن، إنَّما بيّنتها السُنَّة، وكذلك العاديّات من العقود والحدود وغيرها، فإذا نظرنا إلى رجوع الشريعة إلى كليّاتها المعنويَّة، وجدناها قد تضمّنها القرآن على الكمال، وهي‏:‏ الضروريّات، والحاجيات، والتحسينات وَمُكمل كلّ واحد منها، فالخارج عن الكتاب من الأدلّة‏:‏ وهو السنّة، والإجماع، والقياس، إنَّما نشأ عن القرآن وفي الصحيح عن ابن مسعود أنَّه قال‏:‏ «لَعَن الله والوَاشمَات والمستوشمات والواصلات والمستوصلات والمنتمصات للحسن المغيِّرات خلقَ الله» فبلغ كلامه امرأة من بني أسد يقال لها‏:‏ أم يعقوب، وكانت تقرأ القرآن، فأتته فقالت‏:‏ «لعنتَ كذا وكذا» فذكرَتْه، فقال عبد الله‏:‏ «وما لِي لا ألعن مَن لعنَ رسولُ الله وهو في كتاب الله»، فقالت المرأة‏:‏ «لقد قرأت ما بين لَوْحَي المصحف، فما وجدتُه»، فقال‏:‏ «لئن كنتتِ قرأتيه لقد وجدتيه»‏:‏ قال الله تعالى‏:‏

‏{‏وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 7‏]‏» اه‏.‏

فكلام ابن مسعود يشير إلى أنّ القرآن هو جامع أصول الأحكام، وأنّه الحجّة على جميع المسلمين، إذ قد بلغ لجميعهم ولا يسعهم جهل ما فيه، فلو أنّ المسلمين لم تكن عندهم أثارة من علم غير القرآن لكفاهم في إقامة الدين، لأنّ كلّيّاته وأوامره المفصّلة ظاهرة الدلالة، ومجملاته تبعث المسلمين على تعرّف بيانها من استقراء أعمال الرسول وسلف الأمّة، المتلقّين عنه، ولذلك لمّا اختلف الأصحاب في شأن كتابة النبي لهم كتاباً في مرضه قال عمر‏:‏ حسبنا كتاب الله، فلو أنّ أحداً قصر نفسه على علم القرآن فوجد ‏{‏أقيموا الصلاة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 43‏]‏ و‏{‏آتوا حقّه يوم حصاده‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 141‏]‏ و‏{‏كُتب عليكم الصيام‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 183‏]‏ و‏{‏أتِمّوا الحجّ والعمرة لله‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 196‏]‏، لتطلّب بيان ذلك ممّا تقرّر من عمل سلف الأمّة، وأيضاً ففي القرآن تعليم طرق الاستدلال الشرعية كقوله‏:‏ ‏{‏لَعَلِمَهُ الذين يستنبطونه منهم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 83‏]‏‏.‏

فلا شكّ أنّ أمر الإسلام بدئ ضعيفاً ثم أخذ يظهر ظهورَ سنا الفجر، وهو في ذلك كلّه دين، يبيّن لأتباعه الخير والحرام والحلال، فما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ وقد أسلم كثير من أهل مكَّة، ومعظم أهل المدينة، فلمّا هاجر رسول الله أخذ الدين يظهر في مظهر شريعة مستوفاة فيها بيان عبادة الأمّة، وآدابها، وقوانين تعاملها، ثم لمّا فتح الله مكة وجاءت الوفود مسلمين، وغلب الإسلام على بلاد العرب، تمكّن الدين وخدمتْه القوةُ، فأصبح مرهوباً بأسُه، ومَنع المشركين من الحجّ بعد عام، فحجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عام عشرة وليس معه غير المسلمين، فكان ذلك أجلى مظاهر كمال الدين‏:‏ بمعنى سلطان الدين وتمكينه وحفظه، وذلك تَبيَّن واضحاً يومَ الحجّ الذي نزلت فيه هذه الآية‏.‏

لم يكن الدين في يوم من الأيام غير كاف لأتباعه‏:‏ لأنّ الدين في كلّ يوم، من وقت البعْثة، هو عبارة عن المقدار الذي شرعه الله للمسلمين يوماً فيوماً، فمن كان من المسلمين آخذاً بكلّ ما أنزل إليهم في وقت من الأوقات فهو متمسّك بالإسلام، فإكمال الدين يوم نزول الآية إكمال له فيما يُراد به، وهو قبل ذلك كامل فيما يراد من أتباعه الحاضرين‏.‏

وفي هذه الآية دليل على وقوع تأخير البيان إلى وقت الحاجة‏.‏ وإذا كانت الآية نازلة يوم فتح مكة، كما يُروى عن مجاهد، فإكمال الدين إكمال بقية ما كانوا محرومين منه من قواعد الإسلام، إذ الإسلام قد فسّر في الحديث بما يشمل الحجّ، إذ قد مكّنهم يومئذٍ من أداء حجّهم دون معارض، وقد كمل أيضاً سلطان الدين بدخول الرسول إلى البلد الذي أخرجوه منه، ومكّنه من قلب بلاد العرب‏.‏ فالمراد من الدين دين الإسلام وإضافته إلى ضمير المسلمين لتشريفهم بذلك‏.‏

ولا يصحّ أن يكون المراد من الدين القرآن‏:‏ لأنّ آيات كثيرة نزلت بعد هذه الآية، وحسبك من ذلك بقيّة سورة المائدة وآية الكلالة، التي في آخر النساء، على القول بأنَّها آخر آية نزلت، وسورة ‏{‏إذا جاء نصر الله‏}‏ ‏[‏النصر‏:‏ 1‏]‏ كذلك، وقد عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول آية ‏{‏اليوم أكملت لكم دينكم‏}‏ نحواً من تسعين يوماً، يوحى إليه‏.‏ ومعنى ‏(‏اليوم‏)‏ في قوله‏:‏ ‏{‏اليوم أكملت لكم دينكم‏}‏ نظير معناه في قوله‏:‏ ‏{‏اليوم يئس الذين كفروا من دينكم‏.‏

وقوله‏:‏ وأتممت عليكم نعمتي‏}‏ إتمام النعمة‏:‏ هو خلوصها ممّا يخالطها‏:‏ من الحرج، والتعب‏.‏ وظاهره أنّ الجملة معطوفة على جملة ‏{‏أكملت لكم دينكم‏}‏ فيكون متعلَّقاً للظرف وهو اليوم، فيكون تمام النعمة حاصلاً يوم نزول هذه الآية‏.‏ وإتمام هذه النعمة هو زوال ما كانوا يلقونه من الخوف فمكّنهم من الحج آمين، مؤمنين، خالصين، وطوّع إليهم أعداءهم يوم حجّة الوداع، وقد كانوا من قبل في نعمة فأتمّها عليهم، فلذلك قيّد إتمام النعمة بذلك اليوم، لأنّه زمان ظهور هذا الإتمام‏:‏ إذ الآية نازلة يوم حجّة الوداع على أصحّ الأقوال، فإن كانت نزلت يوم فتح مكة، وإن كان القول بذلك ضعيفاً، فتمام النعمة فيه على المسلمين‏:‏ أنْ مكّنهم من أشدّ أعدائهم، وأحرصهم على استئصالهم، لكن يناكده قوله‏:‏ ‏{‏أكملت لكم دينكم‏}‏ إلاّ على تأويلات بعيدة‏.‏

وظاهر العطف يقتضي‏:‏ أنّ تمام النعمة منَّة أخرى غير إكمال الدين، وهي نعمة النصر، والأخوّة، وما نالوه من المغانم، ومن جملتها إكمال الدين، فهو عطف عامّ على خاصّ‏.‏ وجوّزوا أن يكون المراد من النعمة الدّين، وإتمامها هو إكمال الدين، فيكون مفاد الجملتين واحداً، ويكون العطف لمجرّد المغايرة في صفات الذات، ليفيد أنّ الدين نعمة وأنّ إكماله إتمام للنعمة؛ فهذا العطف كالذي في قول الشاعر أنشده الفرّاء في «معاني القرآن»‏:‏

إلى الملك القرم وابننِ الهما *** م وليثثِ الكتيبة في المُزْدَحَمْ

وقوله‏:‏ ‏{‏ورضيت لكم الإسلام ديناً‏}‏ الرضى بالشيء الرّكون إليه وعدم النفرة منه، ويقابله السخط‏:‏ فقد يرضى أحد شيئاً لنفسه فيقول‏:‏ رضيتُ بكذا، وقد يرضى شيئاً لغيره، فهو بمعنى اختياره له، واعتقاده مناسبته له، فيعدّى باللام‏:‏ للدلالة على أنّ رضاه لأجل غيره، كما تقول‏:‏ اعتذرت له‏.‏ وفي الحديث ‏"‏ إنّ الله يرضى لكم ثلاثاً ‏"‏، وكذلك هنا، فلذلك ذكر قوله‏:‏ ‏{‏لكم‏}‏ وعُدّي ‏{‏رَضيت‏}‏ إلى الإسلام بدون الباء‏.‏ وظاهر تناسق المعطوفات‏:‏ أنّ جملة ‏{‏رضيت‏}‏ معطوفة على الجملتين اللتين قبلها، وأنّ تعلّق الظرف بالمعطوف عليه الأول سار إلى المعطوفين، فيكون المعنى‏:‏ ورضيت لكم الإسلام ديناً اليومَ‏.‏ وإذ قد كان رضي الإسلام ديناً للمسلمين ثابتاً في علممِ الله ذلك اليومَ وقبلَه، تعيّن التأويل في تعليق ذلك الظرف ب ‏{‏رضيت‏}‏؛ فتأوّله صاحب «الكشاف» بأنّ المعنى‏:‏ آذنتكم بذلك في هذا اليوم، أي أعلمتكم‏:‏ يعني أي هذا التأويل مستفاد من قوله ‏{‏اليوم‏}‏، لأنّ الذي حصل في ذلك اليوم هو إعلان ذلك، والإيذان به، لا حصول رضى الله به ديناً لهم يومئذٍ، لأنّ الرضى به حاصل من قبل، كما دلّت عليه آيات كثيرة سابقة لهذه الآية‏.‏ فليس المراد أنّ «رضيت» مجاز في معنى «أذنت» لعدم استقامة ذلك‏:‏ لأنّه يزول منه معنَى اختيار الإسلام لهم، وهو المقصود، ولأنَّه لا يصلح للتعدّي إلى قوله‏:‏ ‏{‏الإسلام‏}‏‏.‏ وإذا كان كذلك فدلالة الخبر على معنى الإيذان من دلالته على لازم من لوازم معناه بالقرينة المعيّنة، فيكون من الكناية في التركيب‏.‏ ولو شاء أحد أن يجعل هذا من استعمال الخبر في لازم الفائدة، فكما استعمل الخبر كثيراً في الدلالة على كون المخبِر عالماً به، استعمل هنا في الدلالة على الإعلام وإعلانه‏.‏

وقد يدلّ قوله‏:‏ ‏{‏ورضيت لكم الإسلام ديناً‏}‏ على أنّ هذا الدين دين أبَدي‏:‏ لأنّ الشيء المختار المدّخر لا يكون إلاّ أنفس ما أُظهر من الأديان، والأنفس لا يبطله شيء إذ ليس بعده غاية، فتكون الآية مشيرة إلى أنّ نسخ الأحكام قد انتهى‏.‏

‏{‏فَمَنِ اضطر فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏‏.‏

وجود الفاء في صدر هذه الجملة، مع عدم مناسبة ما بعد الفاء لما وَليتْه، يعيِّن أن تكون متّصلة ببعض الآي التي سبقت، وقد جعلها المفسّرون مرتبطة بآية تحريم الميتة وما عطف عليها من المأكولات، من غير تعرّض في كلامهم إلى انتظام نظم هذه الآية مع التي قبلها‏.‏ وقد انفرد صاحب «الكشاف» ببيان ذلك فجعل ما بين ذلك اعتراضاً‏.‏

ولا شكّ أنّه يَعنِي باتّصال هذه الجملة بما قبلها‏:‏ اتّصال الكلام الناشئ عن كلام قبله، فتكون الفاء عنده للفصيحة، لأنَّه لمّا تضمَّنت الآيات تحريم كثير ممَّا كانوا يقتاتونه، وقد كانت بلاد العرب قليلة الأقوات، معرّضة للمخمصة‏:‏ عند انحباس الأمطار، أو في شدّة كَلَب الشتاء، فلم يكن عندهم من صنوف الأطعمة ما يعتاضون ببعضه عن بعض، كما طفحت به أقوال شعرائهم‏.‏

فلا جرم أن يكون تحريم كثير من معتاد طعامهم مؤذناً بتوقّععٍ منهم أن يفضي ذلك إلى امتداد يد الهلاك إليهم عند المخمصة، فناسب أن يفصح عن هذا الشرط المعرب عن أحوالهم بتقدير‏:‏ فإن خشيتم الهلاك في مخمصة فمن اضطرّ في مخمصة الخ‏.‏ ولا تصلح الفاء على هذا الوجه للعطف‏:‏ إذ ليس في الجمل السابقة من جمل التحريم ما يصلح لعطف «من اضطرّ في مخمصة» عليه‏.‏

والأحسن عندي أن يكون موقع ‏{‏فمن اضطرّ في مخمصة‏}‏ متّصلاً بقوله‏:‏ ‏{‏ورضيت لكم الإسلام ديناً‏}‏، اتّصال المعطوف بالمعطوف عليه، والفاء للتفريع‏:‏ تفريع منّة جزئيّة على منّة كلّيّة، وذلك أنّ الله امتَنّ في هذه الجمل الثلاث بالإسلام ثلاث مرّات‏:‏ مرّة بوصفه في قوله ‏{‏دينكم‏}‏، ومرّة بالعموم الشامل له في قوله‏:‏ ‏{‏نعمتي‏}‏، ومرّة باسمه في قوله‏:‏ ‏{‏الإسلام‏}‏؛ فقد تقرّر بينهم‏:‏ أنّ الإسلام أفضل صفاته السماحة والرفق، من آيات كثيرة قبل هذه الآية، فلمّا علمَهم يوجسون خيفة الحاجة في الأزمات بعد تحريم ما حرّم عليهم من المطعومات، وأعقب ذلك بالمنّة ثم أزال عقب ذلك ما أوجسوه من نفوسهم بقوله‏:‏ ‏{‏فمن اضطر‏}‏ الخ؛ فناسب أن تعطف هاته التوسعة، وتفرّع على قوله‏:‏ ‏{‏ورضيتُ لكم الإسلام ديناً‏}‏ وتُعَقَّب المنّة العامّة بالمنّة الخاصّة‏.‏

والاضطرار‏:‏ الوقوع في الضرورة، وفعله غلب عليه البناء للمجهول، وقد تقدّم بيانه عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم اضطرّه إلى عذاب النار‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏126‏)‏‏.‏

والمخمصة‏:‏ المجاعة، اشتقّت من الخَمَص وهو ضمور البطن، لأنّ الجوع يضمر البطون، وفي الحديث تغدو خِماصاً فتروح بِطَاناً‏.‏

والتجانف‏:‏ التمايل، والجَنَف‏:‏ الميل، قال تعالى‏:‏ ‏{‏فمن خَاف من موص جَنَفَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 182‏]‏ الآية‏.‏ والمعنى أنّه اضطرّ غير مائل إلى الحرام من أخذ أموال الناس، أو من مخالفة الدين‏.‏ وهذه حال قصد بها ضبط حالة الاضطرار في الإقدام والإحجام، فلا يقدم على أكل المحرّمات إذا كان رائماً بذلك تناولها مع ضعف الاحتياج، ولا يحجم عن تناولها إذا خشي أن يتناول ما في أيدي الناس بالغصْب والسرقة، وهذا بمنزلة قوله‏:‏ ‏{‏فمن اضطرّ غير باغ ولا عاد‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 173‏]‏، أي غير باغ ولا عاد على الناس ولا على أحكام الدين‏.‏

ووقع قوله‏:‏ «فإنّ الله غفور رحيم» مغنياً عن جواب الشرط لأنّه كالعلّة له، وهي دليل عليه، والاستغناء بمثله كثير في كلام العرب وفي القرآن‏.‏ والتقديرُ‏:‏ فمن اضطُرّ في مخمصة غير متجَانف لإثم فلهُ تناول ذلك إنّ الله غفور، كما قال في الآية نظيرتها ‏{‏فمن اضطرّ غير باغ ولا عاد فَلا إثم عليه إنّ الله غفور رحيم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 173‏]‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ‏(‏4‏)‏‏}‏

‏{‏يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات‏}‏‏.‏

إن كان الناس قد سألوا عمّا أحِلّ لهم من المطعومات بعد أن سمعوا ما حرّم عليهم في الآية السابقة، أو قبل أن يسمعوا ذلك، وأريد جوابهم عن سؤالهم الآن، فالمضارع مستعمل للدلالة على تجدّد السؤال، أي تكرّره أو توقّع تكرّره‏.‏ وعليه فوجه فصل جملة ‏{‏يسألونك‏}‏ أنّها استئناف بيانيّ ناشئ عن جملة ‏{‏حرّمت عليكم الميتة‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 3‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فمن اضطرّ في مخمصة‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 3‏]‏؛ أو هي استئناف ابتدائي‏:‏ للانتقال من بيان المحرّمات إلى بيان الحلال بالذات، وإن كان السؤال لم يقع، وإنَّما قصد به توقّع السؤال، كأنَّه قيل‏:‏ إن سَألوكَ، فالإتيان بالمضارع بمعنى الاستقبال لتوقّع أن يسأل الناس عن ضبط الحلال، لأنَّه ممّا تتوجَّه النفوس إلى الإحاطة به، وإلى معرفة ما عسى أن يكون قد حرّم عليهم من غير ما عُدّد لهم في الآيات السابقة، وقد بيّنّا في مواضع ممّا تقدّم، منها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يسألونك عن الأهلّة‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏189‏)‏‏:‏ أنّ صيغة يسألونك‏}‏ في القرآن تحتمل الأمرين‏.‏ فعلى الوجه الأوّل يكون الجواب قد حصل ببيان المحرّمات أوّلاً ثم ببيان الحلال، أو ببيان الحلال فقط، إذا كان بيان المحرّمات سابقاً على السؤال، وعلى الوجه الثاني قد قصد الاهتمام ببيان الحلال بوجه جامع، فعنون الاهتمام به بإيراده بصيغة السؤال المناسب لتقدّم ذكره‏.‏

و ‏{‏الطيّبات‏}‏ صفة لمحذوف معلوم من السياق، أي الأطعمة الطيّبة، وهي الموصوفة بالطيِّب، أي التي طابت‏.‏ وأصل معنى الطيب معنى الطّهارة والزكاء والوقع الحسن في النفس عاجلاً وآجلاً، فالشيء المستلذّ إذا كان وخِماً لا يسمّى طيِّباً‏:‏ لأنّه يعقب ألماً أو ضُرّاً، ولذلك كان طيّب كلّ شيء أن يكون من أحسن نوعه وأنفعه‏.‏ وقد أطلق الطيِّب على المباح شرعاً؛ لأنّ إباحة الشرع الشيء علامة على حسنه وسلامته من المضرّة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏كلوا ممَّا في الأرض حلالاً طيّباً‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 168‏]‏‏.‏ والمراد بالطيّبات في قوله‏:‏ ‏{‏أحل لكم الطيبات‏}‏ معناها اللغوي ليصحّ إسناد فعل ‏{‏أحِلّ‏}‏ إليها‏.‏ وقد تقدّم شيء من معنى الطيّب عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يأيّها الناس كلوا ممّا في الأرض حلالاً طيّباً‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏168‏)‏، ويجيء شيء منه عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والبلد الطيّب‏}‏ في سورة الأعراف ‏(‏58‏)‏‏.‏

والطيّبات‏}‏ وصف للأطعمة قُرِن به حكم التحليل، فدلّ على أنّ الطِّيبَ علّة التحليل، وأفاد أنّ الحرام ضدّه وهو الخبائث، كما قال في آية الأعراف، في ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم ‏{‏ويحلّ لهم الطيّباتتِ ويحرّم عليهم الخبائث‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 157‏]‏‏.‏

وقد اختلفت أقوال السلف في ضبط وصف الطيّبات؛ فعن مالك‏:‏ الطيّبات الحلال، ويتعيّن أن يكون مراده أنّ الحلّ هو المؤذن بتحقّق وصف الطيِّب في الطعام المباح، لأنّ الوصف الطيّب قد يخفى، فأخذ مالك بعلامته وهي الحلّ كيلا يكون قوله‏:‏ ‏{‏الطيّبات‏}‏ حوالة على ما لا ينضبط بين الناس مثل الاستلذاذ، فيتَعيّن، إذن، أن يكون قوله‏:‏ ‏{‏أحل لكم الطيبات‏}‏ غيْر مراد منه ضبط الحلال، بل أريد به الامتنان والإعلام بأنّ ما أحلّه الله لهم فهو طيّب، إبطالاً لِما اعتقدوه في زمن الشرك‏:‏ من تحريم ما لا موجب لتحريمه، وتحليل ما هو خبيث‏.‏

ويدلّ لذلك تكرّر ذكر الطيّبات مع ذكر الحلال في القرآن، مثل قوله‏:‏ ‏{‏اليومَ أحلّ لكم الطيّبات‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 5‏]‏ وقولِه في الأعراف ‏(‏157‏)‏‏:‏ ‏{‏ويُحلّ لهم الطيّبات ويحرّم عليهم الخبائث‏}‏ وعن الشافعي‏:‏ الطيّبات‏:‏ الحلال المستلذّ، فكلّ مستقذر كالوزغ فهو من الخبائث حرام‏.‏ قال فخر الدين‏:‏ العبرة في الاستلذاذ والاستطابة بأهل المروءة والأخلاق الجميلة، فإنّ أهل البادية يستطيبون أكل جميع الحيوانات، وتتأكّد دلالة هذه الآيات بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏خلق لكم ما في الأرض جميعاً‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 29‏]‏ فهذا يقتضي التمكّن من الانتفاع بكل ما في الأرض، إلاُّ أنّه دخله التخصيص بحرمة الخبائث، فصار هذا أصلاً كبيراً في معرفة ما يحلّ ويحرم من الأطعمة‏.‏ منها أنّ لحم الخيل مباح عند الشافعي‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ ليس بمباح‏.‏ حجّة الشافعي أنّه مستلذّ مستطاب، والعلم بذلك ضروري، وإذا كان كذلك وجب أن يكون حلالاً، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أحل لكم الطيبات‏}‏‏.‏ وفي «شرح الهداية» في الفقه الحنفي لمحمد الكاكي «أنّ ما استطابه العرب حلال، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويحلّ لهم الطيّبات‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 157‏]‏، وما استخبثه العرب حرام، لقوله‏:‏ ‏{‏ويحرّم عليهم الخبائث‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 157‏]‏‏.‏ والذين تعتبر استطابتهم أهل الحجاز من أهل الأمصار، لأنّ القرآن أنزل عليهم وخوطبوا به، ولم يُعتبر أهل البوادي لأنّهم يأكلون ما يجدون للضرورة والمجاعة‏.‏ وما يوجد في أمصار المسلمين ممّا لا يعرفه أهل الحجاز رُدّ إلى أقرب مَا يشبهه في الحجاز اه‏.‏ وفيه من التحكّم في تحكيم عوائد بعض الأمّة دون بعض ما لا يناسب التشريع العامّ، وقد استقذر أهل الحجاز لحم الضبّ بشهادة قوله صلى الله عليه وسلم في حديث خالد بن الوليد‏:‏ «ليس هو من أرض قومي فأجدني أعافه» ومع ذلك لم يحرّمه على خالد‏.‏

والذي يظهر لي‏:‏ أنّ الله قد ناط إباحة الأطعمة بوصف الطيّب فلا جرم أن يكون ذلك منظوراً فيه إلى ذات الطعام، وهو أن يكون غير ضارّ ولا مستقذر ولا مناف للدين، وأمارة اجتماع هذه الأوصاف أن لا يحرّمه الدّين، وأن يكون مقبولاً عند جمهور المُعتدلين من البشر، من كلّ ما يعدّه البشر طعاماً غير مستقذر، بقطع النظر عن العوائد والمألوفات، وعن الطبائع المنحرفات، ونحن نجد أصناف البشر يتناول بعضهم بعض المأكولات من حيوان ونبات، ويترك بعضهم ذلك البعض‏.‏ فمن العرب من يأكل الضبّ واليربوع والقنافذ، ومنهم من لا يأكلها‏.‏ ومن الأمم من يأكل الضفادع والسلاحف والزواحف ومنهم من يتقذّر ذلك‏.‏ وأهل مدينة تونس يأبون أكل لحم أنثى الضأن ولحم المعز، وأهل جزيرة شريك يستجيدون لحم المعز، وفي أهل الصحاري تُستجاد لحوم الإبل وألبانُها، وفي أهل الحضر من يكره ذلك، وكذلك دوابّ البحر وسلاحفه وحيّاته‏.‏

والشريعة من ذلك كلّه فلا يقضي فيها طبعُ فريق على فريق‏.‏ وَالمحرّمات فيها من الطعوم ما يضرّ تناوله بالبدن أو العقل كالسموم والخمور والمخدّرات كالأفيون والحشيشة المخدّرة، وما هو نجسَ الذات بحكم الشرع، وما هو مستقذر كالنخامة وذرق الطيوب وأرواث النعام، وما عدا ذلك لا تجد فيه ضابطاً للتحريم إلاّ المحرّمات بأعيانها وما عداها فهو في قسم الحلال لمن شاء تناوله‏.‏ والقول بأنّ بعضها حلال دون بعض بدون نصّ ولا قياس هو من القول على الله بما لا يعلمه القائل، فما الذي سوّغ الظبي وحرّم الأرنب، وما الذي سوّغ السمكة وحرّم حيّة البحر، وما الذي سوّغ الجَمَل وحرّم الفرس، وما الذي سوّغ الضبّ والقنفذ وحرّم السلحفاة، وما الذي أحلّ الجراد وحرّم الحلزون، إلاّ أن يكون له نصّ صحيح، أو نظر رَجيح، وما سوى ذلك فهو ريح‏.‏ وغرضنا من هذا تنوير البصائر إذا اعترى التردّد لأهل النظر في إناطة حظر أو إباحة بما لا نصّ فيه أو في مواقع المتشابهات‏.‏

‏{‏وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الجوارح مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ واذكروا اسم الله عَلَيْهِ واتقوا الله إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب‏}‏‏.‏

يجوز أن يكون عطفاً على ‏{‏الطيّبات‏}‏ عطف المفرد، على نيّة مضاف محذوف، والتقدير‏:‏ وصيد ما علّمتم من الجوارح، يدلّ عليه قوله‏:‏ ‏{‏فكلوا مما أمسكن عليكم‏}‏‏.‏ فما موصولة وفاء ‏{‏فكلوا‏}‏ للتفريع‏.‏ ويجوز أن يكون عطف جملة على جملة، وتكون ‏(‏ما‏)‏ شرطية وجواب الشرط ‏{‏فكلوا ممّا أمسكن‏}‏‏.‏

وخُصّ بالبيان من بين الطيّبات لأنّ طيبه قد يخفى من جهة خفاء معنى الذكاة في جرح الصيد، لا سيما صيد الجوارح، وهو محلّ التنبيه هنا الخاصّ بصيد الجوارح‏.‏ وسيُذكر صيد الرماح والقنص في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليبلونّكم الله بشيء من الصيد تنالع أيديكم ورماحكم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 94‏]‏ والمعنى‏:‏ وما أمسك عليكم ما علّمتم بقرينة قوله بعدُ ‏{‏فكلوا مما أمسكن عليكم‏}‏ لظهور أن ليس المراد إباحة أكل الكلاب والطيور المعلّمة‏.‏

والجوارح‏:‏ جمع الجارح، أو الجارحة، جرى على صيغة جمع فاعلة، لأنّ الدوابّ مراعى فيها تأنيث جمعها، كما قالت العرب للسباع‏:‏ الكواسب، قال لبيد‏:‏

غُبْس كواسِبُ ما يُمَنّ طعامها *** ولذلك تُجمعَ جمعَ التأنيث، كما سيأتي ‏{‏فكلوا ممّا أمسكن عليكم‏}‏‏.‏

‏{‏ومكلِّبين‏}‏ حال من ضمير ‏{‏علّمتم‏}‏ مبيّنة لنوع التعليم وهو تعليم المكلِّب، والمكلِّب بكسر اللام بصيغة اسم الفاعل مُعلّم الكلاب، يقال‏:‏ مكلِّب، ويقال‏:‏ كَلاَّب‏.‏

ف ‏{‏مكلِّبين‏}‏ وصف مشتقّ من الاسم الجامد اشتقّ من اسم الكلب جرياً على الغالب في صيد الجوارح، ولذلك فوقوعه حالاً من ضمير ‏{‏علّمتم‏}‏ ليس مخصّصاً للعموم الذي أفاده قوله‏:‏ ‏{‏وما علّمتم‏}‏ فهذا العموم يشمل غير الكلاب من فُهود وبُزَاة‏.‏

وخالف في ذلك ابن عمر، حكى عنه ابنُ المنذر أنّه قصر إباحة أكل ما قتله الجارح على صيد الكلاب لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مكلّبين‏}‏ قال‏:‏ فأمّا ما يصاد به من البزاةِ وغيرها من الطير فما أدركتَ ذكاته فذكِّه فهو لك حلال وإلاّ فلا تَطْعَمْه‏.‏ وهذا أيضاً قول الضحّاك والسُدّي‏.‏

فأمَّا الكلاب فلا خلاف في إباحة عموم صيد المعلَّمات منها، إلاّ ما شذّ من قول الحسن وقتادة والنخعي بكراهة صيد الكلب الأسود البهيم، أي عامّ السواد، محتجّين بقول النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ الكلب الأسود شيطان ‏"‏ أخرجه مسلم، وهو احتجاج ضعيف، مع أنّ النبي عليه السلام سمّاه كلباً، وهل يشكّ أحد أنّ معنى كونه شيطاناً أنَّه مظنّة للعقر وسوء الطبع‏.‏ على أنّ مورد الحديث في أنَّه يقطع الصلاة إذا مرّ بين يدي المصلّي‏.‏ على أنّ ذلك متأوّل‏.‏ وعن أحمد بن حنبل‏:‏ ما أعرف أحداً يرخّص فيه ‏(‏أي في أكل صيده‏)‏ إذا كان بهيماً، وبه قال إسحاق بن راهويه، وكيف يصْنع بجمهور الفقهاء‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏تعلمونهن مما علمكم الله‏}‏ حال ثانية، قصد بها الامتنان والعبرة والمواهب التي أودعها الله في الإنسان، إذ جعله معلَّماً بالجبلّة من يومَ قال‏:‏ ‏{‏يا آدم أنبئهم بأسمائهم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 33‏]‏، والمواهب التي أودعها الله في بعض الحيوان، إذ جعله قابلاً للتعلّم‏.‏ فباعتبار كون مفاد هذه الحال هو مفاد عاملها تتنزّل منزلة الحال المؤكّدة، وباعتبار كونها تضمّنت معنى الامتنان فهي مؤسّسة‏.‏ قال صاحب «الكشاف» «وفي تكرير الحال فائدةُ أنّ على كلّ آخذ عِلماً أن لا يأخذه إلاّ من أقْتَللِ أهلِه علماً وأنْحَرِهم دِراية وأغوصِهِم على لطائفه وحقائقه وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكبادَ الإبل، فكم من آخذ عن غير متقن قد ضيّع أيّامه وعَضّ عند لقاء النَّحارير أنامله»‏.‏ اه‏.‏

والفاء في قوله‏:‏ «فكلوا ممّا أمسكن عليكم» فاء الفصيحة في قوله‏:‏ ‏{‏وما علّمتم من الجوارح‏}‏ إن جعلت ‏(‏ما‏)‏ من قوله ‏{‏وما علّمتم‏}‏ موصولة، فإن جعلتها شرطية فالفاء رابطة للجواب‏.‏

وحرف ‏(‏من‏)‏ في قوله ‏{‏ممّا أمسكن عليكم‏}‏ للتبعيض، وهذا تبعيض شائع الاستعمال في كلام العرب عند ذكر المتناوَلات، كقوله‏:‏ «كلوا من ثمره»‏.‏ وليس المقصود النهي عن أكل جميع ما يصيده الصائد، ولا أنّ ذلك احتراس عن أكل الريش، والعظم، والجلد، والقرون؛ لأنّ ذلك كلّه لا يتوهّمه السامع حتّى يحترس منه‏.‏

وحرف ‏(‏على‏)‏ في قوله ‏{‏ممّا أمسكن عليكم‏}‏ بمعنى لام التعليل، كما تقول‏:‏ سجن على الاعتداء، وضُرب الصبيّ على الكذب، وقول علقمة بن شيبان‏:‏

ونُطاعن الأعداءَ عن أبنائنا *** وعَلَى بصائرنا وإن لم نُبْصِر

أي نطاعن على حقائقنا‏:‏ أي لحماية الحقيقة، ومن هذا الباب قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أمسك عليك زوجك‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 37‏]‏، وقوله صلى الله عليه وسلم ‏{‏أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك‏}‏‏.‏

ومعنى الآية إباحة أكل ما صاده الجوارح‏:‏ من كلاب، وفهود، وسباع طير‏:‏ كالبزاة، والصقور، إذا كانت معلّمة وأمسكت بعد إرسال الصائد‏.‏ وهذا مقدار اتّفق علماء الأمّة عليه وإنَّما اختلفُوا في تحقّق هذه القيود‏.‏

فأمَّا شرط التعليم فاتّفقوا على أنّه إذا أُشلي، فانْشلى، فاشتدّ وراء الصيد، وإذا دُعي فأقبل، وإذا زجر فانزجر، وإذا جاء بالصيد إلى ربّه، أنّ هذا معلّم‏.‏ وهذا على مراتب التعلّم‏.‏ ويكتفي في سباع الطير بما دون ذلك‏:‏ فيكتفي فيها بأن تؤمر فتطيع‏.‏ وصفاتُ التعليم راجعة إلى عرف أهل الصيد، وأنَّه صار له معرفة، وبذلك قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي‏:‏ ولا حاجة إلى ضبط ذلك بمرّتيْن أو ثلاث، خلافاً لأحمد، وأبي يوسف، ومحمد‏.‏

وأمّا شرط الإمساك لأجل الصائد‏:‏ فهو يعرف بإمساكها الصيد بعد إشلاء الصائد إيّاها، وهو الإرسال من يده إذا كان مشدوداً، أو أمرُه إيّاها بلفظ اعتدات أن تفهم منه الأمر كقوله‏:‏ «هذا لَكِ» لأنّ الإرسال يقوم مقام نية الذكاة‏.‏ ثم الجارح ما دام في استرساله معتبر حتّى يرجع إلى ربّه بالصيد‏.‏ واختلفوا في أكل الجارح من الصيد قبل الإتيان به إلى ربّه هل يبطل حكم الإمساك على ربّه‏:‏ فقال جماعة من الصحابة والتابعين‏:‏ إذا أكل الجارح من الصيد لم تؤكل البقية؛ لأنّه إنَّما أمسك على نفسه، لا على ربّه‏.‏ وفي هذا المعنى حديث عديّ بن حاتم في الصحيح‏:‏ أنَّه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلب، فقال‏:‏ ‏"‏ وإذا أكَل فلا تأكل فإنَّما أمسك على نفسه ‏"‏ وبه أخذ الشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وإسحاق‏.‏ وقال جماعة من الصحابة‏:‏ إذا أكل الجارح لم يضرّ أكله، ويؤكل ما بقي‏.‏ وهو قول مالك وأصحابه‏:‏ لحديث أبي ثَعْلبة الخُشَني، في «كتاب أبي داوود»‏:‏ أنّه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ «وإن أكل منه»‏.‏ ورام بعض أصحابنا أن يحتجّ لهذا بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ممّا أمسكن عليكم‏}‏ حيث جاء بمن المفيدة للتبعيض، المؤذنة بأنّه يؤكل إذا بَقي بعضه، وهو دليل واه فقد ذكرنا آنفاً أنَّ ‏(‏مِن‏)‏ تدخل على الاسم في مِثل هذا وليس المقصود التَّبعيض، والكلب أو الجارح، إذا أشلاه القنّاص فانشلى، وجاء بالصيد إلى ربّه‏.‏ فهو قد أمسكه عليه وإن كان قد أكل منه، فقد يأكل لفرط جوع أو نسيان‏.‏ ونحا بعضهم في هذا إلى تحقيق أنّ أكل الجارح من الصيد هل يقدح في تعليمه، والصواب أنّ ذلك لا يقدح في تعليمه، إذا كانت أفعاله جارية على وفق أفعال الصيد، وإنما هذا من الفلتة أو من التهوّر‏.‏ ومَال جماعة إلى الترخيص في ذلك في سباع الطير خاصّة، لأنّها لا تفقه من التعليم مَا يَفقه الكلب، وروي هذا عن ابن عباس، وحمّاد، والنخعي، وأبي حنيفة، وأبي ثور‏.‏

وقد نشأ عن شرط تحقّق إمساكه على صاحبه مسألة لو أمسك الكلب أو الجارح صيداً لم يره صاحبه وتركه ورجع دونه، ثم وجد الصائد بعد ذلك صيداً في الجهة التي كان يجوسها الجارح أو عرف أثر كلبه فيه؛ فعن مالك‏:‏ لا يؤكل، وعن بعض أصحابه‏:‏ يؤكل‏.‏ وأمَّا إذا وجد الصائد سهمه في مقاتل الصيد فإنَّه يؤكل لا محالة‏.‏

وأحسب أنّ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مما أمسكن عليكم‏}‏ احتراز عن أن يجد أحد صيداً لم يصده هو، ولا رأى الجارح حين أمسكه، لأنّ ذلك قد يكون موته على غير المعتاد فلا يكون ذكاة، وأنَّه لا يحرم على من لم يتصدّ للصيد أن يأكل صيداً رأى كلب غيره حين صاده إذا لم يجد الصائد قريباً، أو ابْتاعه من صائده، أو استعطاه إيَّاه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏واذكروا اسم الله عليه‏}‏ أمر بذكر الله على الصيد، ومعناه أن يذكره عند الإرسال لأنه قد يموت بجرح الجارح، وأمَّا إذا أمسكه حيّاً فقد تعيّن ذبحه فيذكر اسم الله عليه حينئذٍ‏.‏ ولقد أبدع إيجازُ كلمة «عليه» ليشمل الحالتين‏.‏ وحكمُ نسيان التسمية وتعمّد تركها معلوم من كتب الفقه والخلاف، والدينُ يسر‏.‏

وقد اختلف الفقهاء‏:‏ في أنّ الصيد رخصة، أو صفة من صفات الذكاة‏.‏ فالجمهور ألحقوه بالذكاة، وهو الراجح، ولذلك أجازوا أكل صيد الكتابي دون المَجوسي‏.‏ وقال مالك‏:‏ هو رخصَة للمسلمين فلا يؤكل صيد الكتابيّ ولا المجوسي ولا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يأيها الذين آمنوا لَيَبْلُوَنَّكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 94‏]‏‏.‏ وهو دليل ضعيف‏:‏ لأنَّه وارد في غير بيان الصيد، ولكن في حُرمة الحَرم‏.‏ وخالفه أشهب، وابن وهب، من أصحابه‏.‏ ولا خلاف في عدم أكل صيد المجوسي إلاّ رواية عن أبي ثور إذ ألحقهم بأهل الكتاب فهو اختلاف في الأصل لا في الفرع‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏واتَّقوا الله‏}‏ الآية تذييل عامّ ختمت به آية الصيد، وهو عامّ المناسبة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏5‏]‏

‏{‏الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ‏(‏5‏)‏‏}‏

‏{‏اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ‏}‏‏.‏

يجيء في التقييد ‏(‏باليوم‏)‏ هنا ما جاء في قوله‏:‏ ‏{‏اليوم يئس الذين كفروا من دينكم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 3‏]‏ وقولِه‏:‏ ‏{‏اليوم أكملت لكم دينكم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 3‏]‏، عدا وجه تقييد حصول الفعل حقيقة بذلك اليوم، فلا يجيء هنا، لأنّ إحلال الطيّبات أمر سابق إذ لم يكن شيء منها محرّماً، ولكن ذلك اليوم كان يوم الإعلام به بصفة كليّة، فيكون كقوله‏:‏ ‏{‏ورَضيت لكم الإسلام ديناً‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 3‏]‏ في تعلّق قوله‏:‏ ‏{‏اليوم‏}‏ به، كما تقدّم‏.‏

ومناسبة ذكر ذلك عقب قوله ‏{‏اليوم يئسَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 3‏]‏ و‏{‏اليوم أكملت‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 3‏]‏ أنّ هذا أيضاً منّة كبرى لأنّ إلقاء الأحكام بصفة كلّيّة نعمة في التفقّه في الدين‏.‏

والكلام على الطيّبات تقدّم آنفاً، فأعيدَ ليُبنى عليه قوله‏:‏ ‏{‏وطعام الذين أتوا الكتاب‏}‏‏.‏ وعطفُ جملة ‏{‏وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم‏}‏ على جملة ‏{‏اليومَ أحلّ لكم الطيّبات‏}‏ لأجل ما في هذه الرخصة من المنّة لكثرة مخالطة المسلمين أهل الكتاب فلو حرّم الله عليهم طعامهم لشقّ ذلك عليهم‏.‏

والطعام في كلام العرب ما يطعَمه المرء ويأكله، وإضافته إلى أهل الكتاب للملابسة، أي ما يعالجه أهل الكتاب بطبخ أو ذبح‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ الطعام الذي لا محاولة فيه كالبُرّ والفاكهة ونحوهما لا يغيّره تملّك أحد له، والطعام الذي تقَع فيه محاولة صنعته لا تعلّق للدين بها كخَبز الدقيق وعصر الزيت‏.‏ فهذا إن تُجنِّبَ من الذميّ فعلى جهة التقذّر‏.‏ والتذكية هي المحتاجة إلى الدّين والنية، فلمَّا كان القياس أن لا تجوز ذبائحهم رخص الله فيها على هذه الأمّة وأخرجها عن القياس‏.‏ وأراد بالقياس قياس أحوال ذبائحهم على أحوالهم المخالفة لأحوالنا، ولهذا قال كثير من العلماء‏:‏ أراد الله هنا بالطعام الذبائح، مع اتّفاقهم على أنّ غيرها من الطعام مباح، ولكن هؤلاء قالوا‏:‏ إنّ غير الذبائح ليس مراداً، أي لأنّه ليس موضع تردّد في إباحة أكله‏.‏ والأولى حمل الآية على عمومها فتشمل كلّ طعام قد يظن أنَّه محرّم علينا إذ تدخله صنعتهم، وهم لا يتَوَقَّوْنَ ما نتوقّى، وتدخله ذكاتهم وهم لا يشترطون فيها ما نشترطه‏.‏ ودخل في طعامهم صيدهم على الأرجح‏.‏

و ‏{‏الذين أوتوا الكتاب‏}‏‏:‏ هم أتباع التوراة والإنجيل، سواء كانوا ممّن دعاهم موسى وعيسى عليهما السلام إلى اتّباع الدين، أم كانوا ممّن اتّبعوا الدينيين اختياراً؛ فإنّ موسى وعيسى ودعَوا بني إسرائيل خاصّة، وقد تهوّد من العرب أهل اليمن، وتنصّر من العرب تغلب، وبهراء، وكلب، ولخم، ونَجران، وبعض ربيعة وغسّان، فهؤلاء من أهل الكتاب عند الجمهور عدا عليّا بن أبي طالب فإنه قال‏:‏ لا تحلّ ذبائح نصارى تغلب، وقال‏:‏ إنّهم لم يتمسّكوا من النصرانية بشيء سوى شرب الخمر‏.‏

وقال القرطبي‏:‏ هذا قول الشافعي، وروى الربيع عن الشافعي‏:‏ لا خير في ذبائح نصارى العرب من تغلب‏.‏ وعن الشافعي‏:‏ من كان من أهل الكتاب قبل البعثة المحمّدية فهو من أهل الكتاب، ومن دخل في دين أهل الكتاب بعد نزول القرآن فلا يقبل منه إلاّ الإسلام، ولا تقبل منه الجزية، أي كالمشركين‏.‏

وأمَّا المجوس فليسوا أهل كتاب بالإجماع، فلا تؤكل ذبائحهم، وشذّ من جعلهم أهل كتاب‏.‏ وأمَّا المشركون وعبدة الأوثان فليسوا من أهل الكتاب دون خلاف‏.‏

وحِكمة الرخصة في أهل الكتاب‏:‏ لأنّهم على دين إلهي يُحرّم الخبَائث، ويتقي النجاسة، ولهم في شؤونهم أحكام مضبوطة متّبعة لا تظنّ بهم مخالفتها، وهي مستندة للوحي الإلهي، بخلاف المشركين وعبدة الأوثان‏.‏ وأمّا المجوس فلهم كتاب لكنّه ليس بالإلهي، فمنهم أتباع ‏(‏زَرَادشْت‏)‏، لهم كتابُ ‏(‏الزندفستا‏)‏ وهؤلاء هم محلّ الخلاف‏.‏ وأمّا المجوس ‏(‏المَانَويَّة‏)‏ فهم إباحية فلا يختلف حالهم عن حال المشركين وعبدة الأوثان، أو هم شرّ منهم‏.‏ وقد قال مالك‏:‏ ما ليس فيه ذكاة من طعام المجوس فليس بحرام يعني إذا كانوا يتّقون النجاسة‏.‏ وفي «جامع الترمذي»‏:‏ أنّ أبا ثعلبة الخشني سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قدور المجوس‏.‏ فقال له‏:‏ ‏"‏ أنْقُوها غسلاً واطبخوا فيها ‏"‏ وفي البخاري‏:‏ أنّ أبا ثعلبة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آنِيَة أهل الكتاب‏.‏ فقال له‏:‏ ‏"‏ إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها ثمّ كلوا فيها ‏"‏ قال ابن العربي‏:‏ «فغسل آنية المجوس فرض، وغسل آنية أهل الكتاب ندب»‏.‏ يُريد لأنّ الله أباح لنا طعام أهل الكتاب فقد علم حالهم، وإنَّما يسري الشكّ إلى آنيتهم من طعامهم وهو مأذون فيه، ولم يبح لنا طعام المجوس، فذلك منزع التفرقة بين آنية الفريقين‏.‏

ثم الطعامُ الشامل للذكاة إنّما يعتبر طعاماً لهم إذاكانوا يستحلّونه في دينهم، ويأكله أحبارهم وعلماؤهم، ولو كان ممّا ذكر القرآنُ أنَّه حرّمه عليهم، لأنَّهم قد تأوّلوا في دينهم تأويلات، وهذا قول مالك‏.‏ وأرى أنّ دليله‏:‏ أنّ الآية عمّمت طعامهم فكان عمومها دليلاً للمسلمين، ولا التفات إلى ما حكَى الله أنّه حرّمه عليهم ثم أباحه للمسلمين، فكان عموم طعامهم في شرعنا مُباحاً ناسخاً للمحرّم عليهم، ولا نصِيرُ إلى الاحتجاج «بشرع من قبلنا‏.‏‏.‏‏.‏» إلاّ إذا لم يكن لنا دليل على حُكمهِ في شرعنا‏.‏ وقيل‏:‏ لا يؤكل ما علِمْنا تحريمه عليهم بنصّ القرآن، وهو قول بعض أهل العلم، وقيل به في مذهب مالك، والمعتمد عن مالك كراهة شحوم بقر وغنم اليهود من غير تحريم؛ لأنّ الله ذكر أنه حرّم عليهم الشحوم‏.‏

ومن المعلوم أن لا تعمل ذكاة أهل الكتاب ولا إباحة طعامهم فيما حرّمه الله علينا بعينه‏:‏ كالخنزير والدم، ولا ما حرّمه علينا بوصفه، الذي ليس بذكاة‏:‏ كالميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردّية والنطيحة وأكيلة السبع، إذا كانوا هم يستحلّون ذلك، فأمَّا ما كانت ذكاتهم فيه مخالفة لذكاتنا مخالفةَ تقصير لا مخالفة زيادة فذلك محلّ نظر كالمضروبة بمحدّد على رأسها فتموت، والمفتولة العنق فتتمزّق العروق، فقال جمهور العلماء‏:‏ لا يؤكل‏.‏

وقال أبو بكر ابن العربي من المالكية‏:‏ تؤكل‏.‏ وقال في «الأحكام»‏:‏ فإن قيل فما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق وحطْم الرأس فالجواب‏:‏ أنّ هذه ميتة، وهي حرام بالنصّ، وإن أكلوها فلا نأكلها نحْن، كالخنزير فإنّه حلال لهم ومن طعامهم وهو حرام علينا يريد إباحته عند النصارى ثم قال‏:‏ ولقد سُئِلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها؛ هل تؤكل معه أو تؤخذ طعاماً منه، فقلت‏:‏ تؤكل لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه، وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا ولكن الله تعالى أباح طعامهم مطلقاً وكلّ ما يرونه في دينهم فإنّه حلال لنا في ديننا»‏.‏ وأشكل على كثير من الناظرين وجه الجمع بين كلامي ابن العربي، وإنّما أراد التفرقة بين ما هو من أنواع قطع الحلقوم، والأوداج ولو بالخنق، وبين نحو الخنق لحبس النفَس، ورَضّ الرأس وقول ابن العربي شذوذ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وطعامكم حلّ لهم‏}‏ لم يعرّج المفسّرون على بيان المناسبة بذكر ‏{‏وطعامكم حلّ لهم‏}‏‏.‏ والذي أراه أنّ الله تعالى نبّهنا بهذا إلى التيسير في مخالطتهم، فأباح لنا طعامهم، وأباح لنا أن نُطعمهم طعَامنا، فعُلم من هذين الحكمين أنّ علّة الرخصة في تناولنا طعامهم هو الحاجة إلى مخالطتهم، وذلك أيضاً تمهيد لقوله بعد‏:‏ ‏{‏والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب‏}‏ لأنّ ذلك يقتضي شدّة المخالطة معهم لتزوّج نسائهم والمصَاهرة معهم‏.‏

‏{‏والمحصنات مِنَ المؤمنات والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ متخذى أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِى الاخرة مِنَ الخاسرين‏}‏‏.‏

عُطف ‏{‏والمحصنات من المؤمنات‏}‏ على ‏{‏وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم‏}‏ عطفَ المفرد على المفرد‏.‏ ولم يعرّج المفسّرون على بيان المناسبة لذكر حِلّ المحصنات من المؤمناتتِ في أثناء إباحة طعام أهل الكتاب، وإباحةِ تزوّج نسائهم‏.‏ وعندي‏:‏ أنّه إيماء إلى أنَّهنّ أولى بالمؤمنين من محصنات أهل الكتاب، والمقصودُ هو حكم المحصنات من الذين أوتوا الكتاب فإنّ هذه الآية جاءت لإباجة التزوّج بالكتابيات‏.‏ فقوله‏:‏ ‏{‏والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب‏}‏ عطف على ‏{‏وطعام الذين أوتُوا الكتاب حلّ لكم‏}‏‏.‏ فالتقدير‏:‏ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب حِلّ لكم‏.‏

والمُحصنات‏:‏ النسوة الّلاءِ أحْصَنَهُنّ ما أحْصَنَهُنّ، أي منعهنّ عن الخنا أو عن الريب، فأطلق الإحصان‏:‏ على المعصومات بعصمة الأزواج كما في قوله تعالى في سورة النساء ‏(‏24‏)‏ عطفاً على المحرّمات ‏{‏المحصنات من النساء‏}‏؛ وعلى المسلمات لأنّ الإسلام وَزَعَهن عن الخنا، قال الشاعر‏:‏

ويصدّهن عن الخنا الإسلام *** وأطلق على الحرائر، لأنّ الحرائر يترفّعن عن الخنا من عهد الجاهلية‏.‏ ولا يصلح من هذه المعاني هنا الأوّل، إذ لا يحلّ تزوّج ذات الزوج، ولا الثاني لقوله‏:‏ من المؤمنات‏}‏ الذي هو ظاهر في أنّهنّ بعض المؤمنات فتعيّن معنى الحرية، ففسّرها مالك بالحرائر، ولذلك منع نكاح الحرّ الأمةَ إلاّ إذا خشي العنت ولم يجد للحرائر طَوْلا، وجوّز ذلك للعبد، وكأنّه جعل الخطاب هنا للأحرار بالقرينة وبقرينة آية النساء ‏(‏25‏)‏ ‏{‏ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات‏}‏ وهو تفسير بيِّن ملتئم‏.‏ وأصل ذلك لعمر بن الخطاب ومجاهد‏.‏ ومن العلماء من فسّر المحصنات هنا بالعفائف، ونقل عن الشعبي وغيره، فمنعوا تزوّج غير العفيفة من النساء لرقّة دينها وسوء خلقها‏.‏

وكذلك القول في تفسير قوله‏:‏ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم‏}‏ أي الحرائر عند مالك، ولذلك منع نكاح إماء أهل الكتاب مطلقاً للحرّ والعبد‏.‏ والذين فسّروا المحصنات بالعفائف منعوا هنا ما منعوا هناك‏.‏

وشمل أهلُ الكتاب‏:‏ الذمّييّن، والمعاهدين، وأهل الحرب، وهو ظاهر، إلاّ أنّ مالكاً كره نكاح النساء الحربيّات، وعن ابن عبّاس‏:‏ تخصيص الآية بغير نساء أهل الحرب، فمنع نكاح الحربيات‏.‏ ولم يذكروا دليله‏.‏

والأجور‏:‏ المهور، وسمَّيت هنا ‏(‏أجوراً‏)‏ مجازاً في معنى الأعْواض عن المنافع الحاصلة من آثار عُقدة النكاح، على وجه الاستعارة أوْ المجاز المرسل‏.‏ والمَهْر شِعار متقادم في البشر للتفرقة بين النكاح وبين المخادنة‏.‏ ولو كانت المهور أجوراً حقيقة لوجب تحْديد مدّة الانتفاع ومقدارِه وذلك مِمَّا تنزّه عنه عقدة النكاح‏.‏

والقول في قوله‏:‏ ‏{‏محصنات غير مسافحين ولا متخذي أخدان‏}‏ كالقول في نظيره ‏{‏محصنات غير مسافحات‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 25‏]‏ تقدّم في هذه السورة‏.‏

وجملة ‏{‏ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله‏}‏ معترضة بين الجمل‏.‏ والمقصود التنبيه على أنّ إباحة تزوّج نساء أهل الكتاب لا يقتضي تزكية لحالهم، ولكن ذلك تيسير على المسلمين‏.‏ وقد ذُكر في سبب نزولها أنّ نساء أهل الكتاب قلن «لولا أنّ الله رضي ديننا لم يبح لكم نكاحنا»‏.‏ والمرادُ بالإيمان الإيمانُ المعهود وهو إيمان المسلمين الذي بسببه لُقّبوا بالمؤمنين، فالكفر هنا الكفر بالرسل، أي‏:‏ ينكر الإيمان، أي ينكر ما يقتضيه الإيمان من المعتقدات، إذ الإيمان صار لَقباً لمجموع ما يجب التصديق به‏.‏

والحبْط بسكون الموحّدة والحُبوط‏:‏ فساد شيء كان صالحاً، ومنه سمّي الحَبَط بفتحتين مرض يصيب الإبل من جرّاء أكل الخَضِر في أوّل الربيع فتنتفخ أمعاؤها وربما ماتت‏.‏ وفعل ‏(‏حَبِط‏)‏ يؤذن بأنّ الحابط كان صالحاً فانقلب إلى فساد‏.‏ والمراد من الفساد هنا الضياع والبطلان، وهو أشدّ الفساد، فدلّ فعل ‏(‏حبِط‏)‏ على أنّ الأعمال صالحة، وحُذف الوصف لدلالة الفعل عليه‏.‏ وهذا تشبيه لضياع الأعمال الصالحة بفَساد الذواتتِ النافعة، ووجه الشبه عدم انتفاع مكتسبها منها‏.‏ والمراد ضياع ثوابها وما يترقّبه العامل من الجزاء عليها والفوْز بها‏.‏

والمراد التحذير من الارتداد عن الإيمان، والترغيبُ في الدخول فيه كذلك، ليعلم أهل الكتاب أنّهم لا تنفعهم قرباتهم وأعمالهم، ويعلم المشركون ذلك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏6‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ‏(‏6‏)‏‏}‏

إذا جرينا على ما تحصحص لدينا وتمحّص‏:‏ من أنّ سورة المائدة هي من آخر السور نزولاً، وأنّها نزلت في عام حجّة الوداع، جَزمنا بأنّ هذه الآية نزلت هنا تذكيراً بنعمة عظيمة من نعم التّشريع‏:‏ وهي منّة شرع التيمّم عند مشقّة التطهُّر بالماء، فجزمنا بأنّ هذا الحكم كلّه مشروع من قبْل، وإنَّما ذُكر هنا في عداد النّعم الّتي امتنّ الله بها على المسلمين، فإنّ الآثار صحّت بأنّ الوضوء والغسل شرعا مع وجوب الصّلاة، وبأنّ التيمّم شرع في غزوة المريسيع سنة خمس أو ستّ‏.‏ وقد تقدّم لنا في تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يأيّها الّذين آمنوا لا تقربوا الصّلاة وأنتم سكارى‏}‏ في سورة النّساء ‏(‏43‏)‏ الخلاف في أنّ الآية الّتي نزل فيها شرع التيمّم أهي آية سورة النّساء، أم آية سورة المائدة‏.‏ وذكرنا هنالك أنّ حديث الموطأ‏}‏ من رواية مالك عن عبد الرحمان بن القاسم عن أبيه عن عائشة ليس فيه تعيين الآية ولكن سَمّاها آية التيمّم، وأنّ القرطبي اختار أنّها آية النّساء لأنّها المعروفة بآية التيمّم، وكذلك اختار الواحدي في «أسباب النّزول»، وذكرنا أنّ صريح رواية عمرو بن حُريث عن عائشة‏:‏ أنّ الآية الّتي نزلت في غزوة المريسيع هي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة‏}‏ الآية، كما أخرجه البخاري عن يحيى عن ابن وهب عن عمرو بن حريث عن عبد الرحمان بن القاسم، ولا يساعد مختارنا في تاريخ نزول سورة المائدة، فإن لم يكن ما في حديث البخاري سهواً من أحد رواتِه غير عبدِ الرحمان بن القاسم وأبِيهِ، أراد أن يذكر آية ‏{‏يأيّها الّذين آمنوا لا تقربوا الصّلاة وأنتُم سكارى حتّى تعلموا ما تقولون ولا جُنباً إلاّ عابري سبيل حتّى تغتسلوا‏}‏، وهي آية النّساء ‏(‏43‏)‏، فذكر آية يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم‏}‏ الآية‏.‏ فتعيّن تأويله حينئذ بأن تكون آية ‏{‏يأيّها الّذين آمنوا إذا قمتم إلى الصّلاة‏}‏ قد نزلت قبل نزول سورة المائدة، ثُمّ أعيد نزولها في سورة المائدة، أو أمر الله أن توضع في هذا الموضع من سورة المائدة، والأرجح عندي‏:‏ أن يكون ما في حديث البخاري وهماً من بعض رواته لأنّ بين الآيتين مشابهة‏.‏

فالأظهر أنّ هذه الآية أريد منها تأكيد شرع الوضوء وشرع التيمّم خلفاً عن الوضوء بنصّ القرآن؛ لأنّ ذلك لم يسبق نزول قرآننٍ فيه ولكنّه كان مشروعاً بالسنّة‏.‏ ولا شكّ أنّ الوضوء كان مشروعاً من قبل ذلك، فقد ثبت أنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم لم يصلّ صلاة إلاّ بوضوء‏.‏ قال أبو بكر ابن العربي في «الأحكام» «لا خلاف بين العلماء في أنّ الآية مدنية، كما أنّه لا خلاف أنّ الوضوء كان مفعولاً قبل نزولها غير متلوّ ولذلك قال علماؤنا‏:‏ إنّ الوضوء كان بمكّة سنّة، معناه كان بالسنّة‏.‏

فأمّا حكمه فلم يكن قطّ إلاّ فرضاً» وقد روى ابن إسحاق وغيره أنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم لمّا فرض الله سبحانه عليه الصّلاة ليلة الإسراء ونزل جبريل ظُهْر ذلك اليوْم ليصلّي بهم فهمز بعقبه فانبعث ماء وتوضّأ معلِّماً له وتوضّأ هو معه فصلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا صحيح وإنْ كان لم يروه أهل الصّحيح ولكنّهم تركوه لأنّهم لم يحتاجوا إليه اه‏.‏

وفي «سيرة ابن إسحاق» ثُمّ انصرف جبريل فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجةَ فتوضّأ لها ليريها كيف الطُهور للصّلاة كما أراه جبريل اه‏.‏ وقولهم‏:‏ الوضوء سنّة روي عن عبد الله بن مسعود‏.‏ وقد تأوّله ابن العربي بأنّه ثابت بالسنّة‏.‏ قال بعض علمائنا‏:‏ ولذلك قالوا في حديث عائشة‏:‏ فنزلت آية التّيمّم؛ ولم يقولوا‏:‏ آية الوضوء؛ لمعرفتهم إيَّاه قبل الآية‏.‏

فالوضوء مشروع مع الصّلاة لا محالة، إذ لم يذكر العلماء إلاّ شرع الصّلاة ولم يذكروا شرع الوضوء بعد ذلك، فهذه الآية قرّرت حكم الوضوء ليكون ثبوته بالقرآن‏.‏ وكذلك الاغتسال فهو مشروع من قبل، كما شرع الوضوء بل هو أسبق من الوضوء؛ لأنّه من بقايا الحنيفية الّتي كانت معروفة حتّى أيّام الجاهليّة، وقد وضّحنا ذلك في سورة النّساء‏.‏ ولذلك أجمل التّعبير عنه هنا وهنالك بقوله هنا ‏{‏فاطَّهّروا‏}‏، وقوله هنالك ‏{‏تغتسلوا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 43‏]‏، فتمحّضت الآية لشرع التيمّم عوضاً عن الوضوء‏.‏

ومعنى ‏{‏إذا قمتم إلى الصّلاة‏}‏ إذا عزمْتم على الصّلاة، لأنّ القيام يطلق في كلام العرب بمعنى الشروع في الفعل، قال الشاعر‏:‏

فقام يذود النّاس عنها بسيفه *** وقال ألا لا من سبيل إلى هند

وعلى العزم على الفعل، قال النابغة‏:‏

قاموا فقالوا حمانا غيرُ مقروب *** أي عزموا رأيهم فقالوا‏.‏ والقيام هنا كذلك بقرينة تعديته ب ‏(‏إلى‏)‏ لتضمينه معنى عمدتم إلى أن تصلّوا‏.‏

وروى مالك في «الموطّأ» عن زيد بن أسلم أنّه فسّر القيام بمعنى الهبوب من النوم، وهو مروي عن السديُّ‏.‏ فهذه وجوه الأقوال في تفسير معنى القيام في هذه الآية، وكلّها تَؤُول إلى أنّ إيجاب الطهارة لأجل أداء الصّلاة‏.‏

وأمّا ما يرجع إلى تأويل معنى الشرط الذي في قوله‏:‏ ‏{‏إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم‏}‏ الآية فظاهر الآية الأمر بالوضوء عند كلّ صلاة لأنّ الأمر بغسل ما أمر بغسله شُرط ب ‏{‏إذا قمتم‏}‏ فاقتضى طلبُ غسل هذه الأعضاء عند كلّ قيام إلى الصّلاة‏.‏ والأمر ظاهر في الوجوب‏.‏ وقد وقف عند هذا الظاهر قليل من السلف؛ فروي عن علي بن أبي طالب وعكرمة وجوبُ الوضوء لكلّ صلاة ونسبه الطبرسي إلى داوود الظاهري، ولم يذكر ذلك ابن حزم في «المحلّى» ولم أره لغير الطبرسي‏.‏

وقال بريدة بن أبي بردة‏:‏ كان الوضوء واجباً على المسلمين لكلّ صلاة ثُمّ نسخ ذلك عام الفتح بفعل النّبيء صلى الله عليه وسلم فصلّى يوم الفتح الصلوات الخمس بوضوء واحد، وصلّى في غزوة خيبر العصر والمغرب بوضوء واحد‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ هذا حكم خاصّ بالنبي صلى الله عليه وسلم وهذا قول عجيب إن أراد به صاحبه حمل الآية عليه، كيفَ وهي مصدّرة بقوله‏:‏ ‏{‏يأيّها الّذين آمنوا‏}‏‏.‏ والجمهور حملوا الآية على معنى «إذا قمتُم محدثين» ولعلّهم استندوا في ذلك إلى آية النّساء ‏(‏43‏)‏ المصدّرة بقوله‏:‏ ‏{‏لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى إلى قوله ولا جُنباً‏}‏ الآية‏.‏ وحملوا ما كان يفعله النّبيء صلى الله عليه وسلم من الوضوء لكلّ صلاة على أنّه كان فرضاً على النّبيء صلى الله عليه وسلم خاصّاً به غير داخل في هذه الآية، وأنّه نسخ وجوبه عليه يوم فتح مكّة؛ ومنهم من حمله على أنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم كان يلتزم ذلك وحملوا ما كان يفعله الخلفاء الراشدون وابن عمر من الوضوء لفضل إعادة الوضوء لِكلّ صلاة‏.‏ وهو الّذي لا ينبغي القول بغيره‏.‏ والّذين فسّروا القيام بمعنى القيام من النّوم أرادوا تمهيد طريق التأويل بأن يكون الأمر قد نيط بوجود موجب الوضوء‏.‏ وإنّي لأعجب من هذه الطرق في التأويل مع استغناء الآية عنها؛ لأنّ تأويلها فيها بيّن لأنّها افتتحت بشرط، هو القيام إلى الصّلاة، فعلمنا أنّ الوضوء شرط في الصّلاة على الجملة ثمّ بيّن هذا الإجمال بقوله‏:‏ ‏{‏وإنْ كنتم مرضى إلى قوله أو جاء أحد منكم من الغائط إلى قوله فلم تجدوا ماء فتيمّموا‏}‏ فجعل هذه الأشياء موجبة للتّيمّم إذا لم يوجد الماء، فعلم من هذا بدلالة الإشارة أنّ امتثال الأمر يستمرّ إلى حدوث حادث من هذه المذكورات، إمّا مانِععٍ من أصل الوضوء وهو المرض والسفر، وإمَّا رافع لحكم الوضوء بعد وقوعه وهو الأحداث المذكور بعضها بقوله‏:‏ ‏{‏أو جاء أحد منكم من الغائط‏}‏، فإن وجد الماء فالوضوء وإلاّ فالتيمّم، فمفهوم الشرط وهو قوله‏:‏ ‏{‏وإن كنتم مرضى‏}‏ ومفهوم النّفي وهو ‏{‏فلم تجدوا ماء‏}‏ تأويل بَيِّن في صرف هذا الظّاهر عن معناه بل في بيان هذا المجمل، وتفسير واضح لحمل ما فعله الخلفاء على أنّه لقصد الفضيلة لا للوجوب‏.‏

وما ذكره القرآن من أعضاء الوضوء هو الواجب وما زاد عليه سنّة واجبة‏.‏ وحدّدت الآية الأيدي ببلوغ المرافق لأنّ اليد تطلق على ما بلغ الكوع وما إلى المرفق وما إلى الإبط فرفعت الآية الإجمال في الوضوء لقصد المبالغة في النّظافة وسكتت في التّيمّم فعلمنا أنّ السكوت مقصود وأنّ التيمّم لمّا كان مبناه على الرخصة اكتفى بصورة الفعل وظاهر العضو، ولذلك اقتصر على قوله‏:‏ ‏{‏وأيديكم‏}‏ في التيمّم في هذه السورة وفي سورة النّساء‏.‏ وهذا من طريق الاستفادة بالمقابلة، وهو طريق بديع في الإيجاز أهمله علماء البلاغة وعلماء الأصول فاحتفظ به وألحقه بمسائلهما‏.‏

وقد اختلف الأيمّة في أنّ المرافق مغسولة أو متروكة، والأظهر أنّها مغسولة لأنّ الأصل في الغاية في الحدّ أنّه داخل في المحدود‏.‏ وفي «المدارك» أنّ القاضي إسماعيل بن إسحاق سئل عن دخول الحدّ في المحدود فتوقّف فيها‏.‏ ثمّ قال للسائل بعد أيّام‏:‏ قرأت «كتاب سيبويه» فرأيت أنّ الحدّ داخل في المحدود‏.‏ وفي مذهب مالك‏:‏ قولان في دخول المرافق في الغسل، وأوْلاهما دخولهما‏.‏ قال الشيخ أبو محمد‏:‏ وإدخالهما فيه أحوط لزوال تَكلُّف التحديد‏.‏ وعن أبي هريرة‏:‏ أنّه يغسل يديه إلى الإبطين، وتؤوّل عليه بأنّه أراد إطالة الغُرّة يوم القيامة‏.‏ وقيل‏:‏ تكره الزيادة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وأرجلكم‏}‏ قرأه نافع، وابن عامر، والكسائي، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر، ويعقوبُ بالنّصب عطفاً على ‏{‏وأيديكم‏}‏ وتكون جملة ‏{‏وامسحوا برؤوسكم‏}‏ معترضة بين المتعاطفين‏.‏ وكأنّ فائدة الاعتراض الإشارة إلى ترتيب أعضاء الوضوء لأنّ الأصل في الترتيب الذكري أن يدلّ على التّرتيب الوجودي، فالأرجل يجب أن تكون مغسولة؛ إذ حكمة الوضوء وهي النّقاء والوضاءة والتنظّف والتأهّب لمناجاة الله تعالى تقتضي أن يبالغ في غسل ما هو أشدّ تعرّضاً للوسخ؛ فإنّ الأرجل تلاقي غبار الطرقات وتُفرز الفضلات بكثرة حركة المشي، ولذلك كان النّبيء صلى الله عليه وسلم يأمر بمبالغة الغسل فيها، وقد نادَى بأعلى صوته للذي لم يُحسن غسل رجليه ‏"‏ وَيْلٌ للأعقاب من النّار ‏"‏

وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم، وخلف بخفض ‏{‏وأرجلكم‏}‏‏.‏ وللعلماء في هذه القراءة تأويلات‏:‏ منهم من أخذ بظاهرها فجعل حكمَ الرجلين المسح دون الغسل، وروي هذا عن ابن عبّاس، وأنس بن مالك، وعكرمة، والشعبي، وقتادة‏.‏ وعن أنس بن مالك أنّه بلغه أنّ الحجّاج خطب يوماً بالأهواز فذكر الوضوء فقال‏:‏ «إنَّه ليس شيء من ابن آدم أقربَ مِن خبثه مِن قدميه فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما» فسمع ذلك أنس بن مالك فقال‏:‏ صدق اللّهُ وكذب الحجّاج قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وامسحوا برؤوسكم وأرجلِكم‏}‏‏.‏ ورويت عن أنس رواية أخرى‏:‏ قال نزل القرآن بالمسح والسنّة بالغسل، وهذا أحسن تأويل لهذه القراءة فيكون مسحُ الرجلين منسوخاً بالسنّة، ففي الصحيح أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى قوماً يتوضّؤون وأعقابهم تلوح، فنادى بأعلى صوته «ويل للأعقاب من النّار» مرّتين‏.‏ وقد أجمع الفقهاء بعد عصر التّابعين على وجوب غسل الرجلين في الوضوء ولم يشذّ عن ذلك إلاّ الإمامية من الشيعة، قالوا‏:‏ ليس في الرجلين إلاّ المسح، وإلاّ ابن جرير الطبري‏:‏ رأى التخيير بين الغسل والمسح، وجعَل القراءتين بمنزلة روايتين في الإخبار إذا لم يمكن ترجيح إحداهما على رأي من يرون التخيير في العمل إذا لم يعرف المرجّح‏.‏

واستأنس الشعبي لمذهبه بأنّ التيمّم يمسح فيه ما كان يغسل في الوضوء ويلغى فيه ما كان يمسح في الوضوء‏.‏ ومن الذين قرأوا بالخفض من تأوّل المسح في الرجلين بمعنى الغسل، وزعموا أنّ العرب تسمّي الغسل الخفيف مسحاً وهذا الإطلاق إن صحّ لا يصحّ أن يكون مراداً هنا لأنّ القرآن فرّق في التعبير بين الغسل والمسح‏.‏

وجملة ‏{‏وإن كنتم جنباً فاطّهروا إلى قوله وأيديكم منه‏}‏ مضى القول في نظيره في سورة النّساء بما أغنى عن إعادته هنا‏.‏

وجملة ‏{‏مَا يريد الله ليجعل عليكم من حرج‏}‏ تعليل لرخصة التيمّم، ونفي الإرادة هنا كناية عن نفي الجعل لأنّ المريد الّذي لا غالب له لا يحول دون إرادته عائق‏.‏

واللام في ‏{‏ليجعل‏}‏ داخلة على أن المصدرية محذوفةً وهي لام يكثر وقوعها بعد أفعال الإرادة وأفعال مادّة الأمر، وهي لام زائدة على الأرجح، وتسمّى لام أَنْ‏.‏ وتقدّم الكلام عليها عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يُريد الله ليبيّن لكُم‏}‏ في سورة النّساء ‏(‏26‏)‏، وهي قريبة في الموقع من موقع لام الجحود‏.‏

والحرج‏:‏ الضيق والشدّة، والحَرَجَة‏:‏ البقعة من الشجر الملتفّ المتضايق، والجمع حَرَج‏.‏ والحَرج المنفي هنا هو الحرج الحِسّي لو كلّفوا بطَهارة الماء مع المرض أو السفر، والحرجُ النفسي لو مُنِعوا من أداء الصلاة في حال العجز عن استعمال الماء لضرّ أو سفرٍ أو فقد ماء فإنّهم يرتاحون إلى الصّلاة ويحبّونها‏.‏

وقوله‏:‏ ولكن يريد ليطهّركم‏}‏ إشارة إلى أنّ من حكمة الأمر بالغسل والوضوء التطهير وهو تطهير حسّي لأنّه تنظيف، وتطهير نفسي جعله الله فيه لمّا جعله عبادة؛ فإنّ العبادات كلّها مشتملة على عدّة أسرار‏:‏ منها ما تهتدي إليه الأفهام ونعبر عنها بالحكمة؛ ومنها ما لا يعلمه إلاّ الله، ككون الظهر أربع ركعات، فإذا ذكرت حكم للعبادات فليس المراد أنّ الحكمَ منحصرة فيما علمناه وإنّما هو بعض من كلّ وظنّ لا يبلغ منتهى العلم، فلمّا تعذّر الماء عوّض بالتيمّم، ولو أراد الحرج لكلّفهم طلب الماء ولو بالثّمن أو ترك الصّلاة إلى أن يوجد الماء ثُمّ يقضون الجميع‏.‏ فالتيمّم ليس فيه تطهير حسّي وفيه التّطهير النّفسي الذي في الوضوء لمّا جُعل التّيمّم بدلاً عن الوضوء، كما تقدّم في سورة النساء‏.‏

وقوله ‏{‏وليتمّ نعمته عليكم‏}‏ أي يكمل النّعم الموجودة قبل الإسلام بنعمة الإسلام، أو ويكمل نعمة الإسلام بزيادة أحكامه الرّاجعة إلى التزكيّة والتطهير مع التيْسير في أحوال كثيرة‏.‏ فالإتمام إمّا بزيادة أنواع من النّعم لم تكن، وإمّا بتكثير فروع النّوع من النّعم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لعلّكم تشكرون‏}‏ أي رجاء شكركم إيّاه‏.‏ جعل الشكر علّة لإتمام النّعمة على طريقة المجاز بأن استعيرت صيغة الرجاء إلى الأمر لقصد الحثّ عليه وإظهاره في صورة الأمر المستقرب الحصول‏.‏